دفاعا عن الذاكرة: في إعادة الاعتبار للحفظ

على امتداد العقود الأخيرة، شكل دور الذاكرة في العملية التعليمية محورًا أساسيًا في النقاشات التربوية المعاصرة. ففي كثير من الخطابات الحديثة، يُقدَّم الحفظ باعتباره ممارسة تقليدية مرتبطة بالتكرار الآلي، والجمود، وضعف الإبداع. وفي المقابل، يُحتفى بمقاربات تعليمية أخرى مثل التعلم القائم على الكفاءات، أو المشاريع، أو تنمية التفكير النقدي. غير أن هذا التقابل، في جوهره، يبدو تبسيطيًا ومفتعلًا إلى حد بعيد؛ إذ تؤكد دراسات علم النفس المعرفي وعلوم الأعصاب التربوية أن الذاكرة ليست نقيضًا للفهم، بل تمثل أحد شروطه التأسيسية.

فالتعلّم، من حيث المبدأ، لا يمكن تصوره دون قدرة على التذكّر. إذ لا وجود لمعرفة تراكمية، ولا لإمكان بناء تفكير مركّب، في غياب مخزون معرفي مستقر. ومن ثم، فإن الدفاع عن قيمة الحفظ لا يعني الدعوة إلى التكرار الميكانيكي الخالي من المعنى، بل الاعتراف بأن العقل البشري يحتاج إلى قاعدة معرفية صلبة ومخزنة، يستطيع الانطلاق منها نحو التحليل، والتركيب، والإبداع.

إن الذاكرة تمثل البنية الأساسية التي يستند إليها التفكير. فحين يحل الإنسان مشكلة، أو يتخذ قرارًا، أو يكوّن رأيًا، فإنه يفعل ذلك انطلاقًا من معارف سابقة مختزنة في ذاكرته. ومن هذا المنطلق، لا تُعد الذاكرة عنصرًا ثانويًا أو عرضيًا في التعلم، بل هي أحد شروطه الجوهرية. فالمعلومات السابقة التي نمتلكها هي التي تتيح لنا فهم المستجدات، وربطها بسياقاتها، وإنتاج أفكار جديدة بشأنها.

وهذا ما تؤكده أحد المبادئ الأساسية في علم نفس التعلم، ومفادها أن العقل لا يفكر في فراغ. فالمتعلم يحتاج إلى رصيد معرفي أولي يتيح له مواصلة اكتساب المعرفة. ولذلك يرى كثير من الباحثين أن الحفظ لا ينبغي فهمه بوصفه مستوى أدنى من التعلم، بل باعتباره مرحلة تأسيسية ضرورية للانتقال إلى مستويات أكثر تعقيدًا من الفهم والاستيعاب.

وفي النقاشات التعليمية الراهنة، كثيرًا ما يُقال إن الطالب الذي يعتمد على الحفظ لا يستطيع تنمية التفكير النقدي. إلا أن هذا الطرح ينطوي على مغالطة مفاهيمية؛ إذ إن التفكير النقدي ذاته يفترض وجود معرفة مسبقة. فمقارنة المعلومات، وتحليل الحجج، وتقييم الأدلة، كلها عمليات ذهنية لا يمكن أن تتم بفاعلية من دون قاعدة معرفية راسخة. وفي غياب هذه القاعدة، يصبح التفكير النقدي سطحيًا أو شكليًا.

وبهذا المعنى، لا يمثل الحفظ نهاية العملية التعليمية، بل بدايتها. فلفهم معادلة رياضية، لا بد أولًا من حفظ قواعد الجبر الأساسية. ولتحليل نص أدبي، يجب امتلاك مفردات دقيقة، ومعرفة بالسياقات التاريخية، وفهم للمفاهيم السردية. وتظهر المشكلة فقط عندما يتحول الحفظ إلى غاية مستقلة بذاتها، ويقتصر على تكرار البيانات دون دمجها في بنية معرفية أوسع. لكن هذا لا يلغي قيمته، بل يستدعي دمجه ضمن استراتيجيات تعليمية أكثر شمولًا.

ومن منظور علم الأعصاب، أظهرت الأبحاث أن الدماغ يتعلم عبر إنشاء.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
صحيفة مكة منذ 18 ساعة
صحيفة سبق منذ 15 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 5 ساعات
صحيفة سبق منذ 6 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
صحيفة عاجل منذ 17 ساعة
صحيفة سبق منذ 9 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 8 ساعات