آدم راز* - (هآرتس بالعربي) 2026/3/2 "حصل أن تم القضاء على العدو المحتمل -أي على مدنيين. في بلدات وقرى صفصاف، الجش، عيلبون، اللد، وفي الجنوب على نطاق أوسع. وكانت الغاية هي الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص من الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من قدر أولي من الإرهاب كي يرحلوا".
- مُردخاي ميكلف، (ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، ولاحقًا رئيس أركان الجيش)
...
"أنا احتللت بئر السبع. أصدرت أمرًا بقتل كل من يخرج الى الشارع، سواء قاوم أم لم يقاوم. قُتل الجميع. بعد استسلام المدينة توقّف القتل. وحتى ذلك الحين قُتل رجال، ونساء وأطفال، بلا استثناء. بعدها طُلب من الناس التوجه إلى الخليل. ومن لم يذهب، تمت تصفيته".
- يسرائيل كرمي، (قائد كتيبة في اللواء السابع)
***
قبل عامين، في أواخر آذار (مارس) 2024، كانت عالمة الحيوان، رونيت زيلبرمان، تتنزّه بالقرب من منزلها في حي "رمات هحائيل" في تل أبيب. وعندما وصلت إلى شارع "هاغولان"، لفتت نظرها صناديق مكدّسة بآلاف الوثائق كانت قد تُركت إلى جانب حاوية قمامة. وأثار الأمر فضولها، فشرعت في تصفّح المواد. وأمام عينيها انكشف توثيق استثنائي في حجمه من أيام حرب العام 1948، شمل وثائق مصنفة على أنها سرّية، وقوائم من عمليات نُفذت داخل البلاد وفي دول مجاورة، وخرائط وصورًا تاريخية لم تُنشر من قبل (ومن بينها صور مرفقة بهذا التحقيق). مثل هذا الأرشيف، فكّرت زيلبرمان، جدير بأن يُفحص ويُحفظ في أرشيف منظّم. وعلى الرغم من ثقل الصناديق، تكبّدت زيلبرمان عناء نقلها إلى منزلها.
كانت الخطوة التالية هي التوجّه إلى معهد "عكيفوت" لأبحاث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وما إن وصل البلاغ، حتى سارع كاتب هذه السطور إلى منزل زيلبرمان وقام بجمع المواد. وسرعان ما تبيّن أنّها تشكّل مجموعة وثائق تعود إلى رافي كوتسر، أحد أوائل المقاتلين في لواء "غولاني" ومن مؤسّسي وحدة الكوماندوز في الكتيبة 12 التي تحوّلت لاحقًا إلى "سرية غولاني الاستطلاعية". وكان كوتسر قد قاد معارك عدّة في العام 1948، وأصبح لاحقًا من مؤسّسي منظمة معاقي الجيش الإسرائيلي. وكان جزء من الأرشيف شخصيًا، وضمّ يوميات وملاحظات وملخّصات. ووثق جزء آخر نقاشات حزب "مبام"، بما في ذلك مسائل تتعلّق بالسلاح النووي وبالحكم العسكري. غير أنّ القسم الأهمّ تعلّق بحرب العام 1948.
ومن بين الوثائق التي أُلقيت في القمامة برز مستند كتبه يتسحاق بروشي، قائد الكتيبة 12 إبّان الحرب. وهي أوامر صدرت في تموز (يوليو) 1948 صاغها بروشي لقادة السرايا في "غولاني" الذين كانوا يقاتلون آنذاك في شمال البلاد، وحملت عنوان: "السلوك في القرى المحتلّة المأهولة بالسكان". ولم يكن ما تضمنته هذه الأوامر يشبه ما ترويه كتب التاريخ الإسرائيلية.
كتب بروشي للقادة العسكريين أنه بعد احتلال قرية عربية سيتم إصدار بطاقات هوية للسكان. وإذا أعطى أحد السكان بطاقته لشخص آخر، يجب إطلاق النار عليهما معًا. وإذا لم يمثُل أحد سكان القرية في الموعد المحدد للفحص العسكري، يجب أن تُطلق عليه النار ويتم تفجير منزله. وإذا عُثر في القرية على "عربي غريب عن القرية"، فيجب إطلاق النار عليه فورًا. وكقاعدة عامة، ينبغي إطلاق النار على "كل رجل عاشر" في قرية مُحتلة يُعثر فيها على غرباء. كذلك يجب إعدام جميع الرجال في البيت الذي يُعثر فيه على ممتلكات سُرقت من يهود.
ووفقًا للأوامر، كان يُقضى بتدمير القرى تدميرًا كاملًا، غير أنّ ذلك لم يكن يُعد كافيًا في بعض الحالات. في ما يتعلّق بعرب الذبَّح، وهي جماعة بدوية كانت تقيم في الجليل الأسفل، جرى التشديد على محو وجودهم تمامًا. وجاء في نص الأوامر حرفيًا: "يجب قتل كل عربي من الذبَّح". لم تكن هذه تعليمات شفهية أو روايات متناقلة، بل أوامر مكتوبة بوضوح، وقّعها بروشي بخط يده.
وفي أمرٍ آخر يعود إلى تموز (يوليو) 1948، وجّه بروشي جنوده إلى البحث عن عربٍ اختبأوا في منطقة جبل طرعان في الجليل الأسفل بعد احتلال المكان. وأمرهم بـ"قتل كل مختبئ". كما نصّ أمرٌ إضافي عُثر عليه ضمن مجموعة وثائق كوتسر على أنّ "عربًا بأعداد قليلة يتجوّلون في القرى"، على ما يبدو لجمع ممتلكات وطعام. ووفقًا لذلك الأمر، ينبغي "تطهير المنطقة من العرب". وتحت عنوان "الطريقة" جاء: "كل عربي يُصادَف (هكذا في الأصل) يجب إبادته".
***
مرّ ما يقرب من الثمانين عامًا على حرب 1948، ومع ذلك، ما تزال مواد كثيرة محفوظة في الأرشيفات مغلقة. وقد أبقت هذه السرّية الإسرائيلية على واحد من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحرب معلّقة: هل فرّ نحو 800 ألف عربي بمبادرة منهم وبتوجيه من قياداتهم، أم جرى ترحيلهم قسرًا؟ وإذا كانوا قد رُحِّلوا، فما الدور الذي لعبته المجازر وعمليات القتل في تسريع عملية الطرد؟ (وغالبًا ما يتم في هذا النقاش إغفال حقيقة أنّ إسرائيل منعت العرب من العودة ودمّرت قراهم، وبذلك ضمنت استمرار تهجيرهم).
طفل فلسطيني يرفع يديه ضمن قافلة من السكان المهجّرين في العام 1948 - (المصدر)
بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، إذا كان العرب قد فرّوا، فإن إسرائيل لا تتحمّل المسؤولية عن المأساة الفلسطينية. أمّا إذا كانت إسرائيل قد طردتهم، وإذا لم يتردّد جنود الجيش الإسرائيلي في سفك دم من رفض المغادرة، فإن ظلًا ثقيلًا يخيم على أيام قيام الدولة. وإذا لم تكن "طهارة السلاح" في صدارة اهتمامات قادة الجيش، وإنما هاجس النقاء العرقي، فإن الذاكرة التاريخية في إسرائيل تقوم على سردية زائفة.
من بين الملفات التي رُفع الحظر عنها وتشكل أساس هذا التحقيق، فإن ملف شموئيل لاهيس هو الأبرز. كان لاهيس قائد سرية في لواء "كرميلي"، وأقدم بيديه على قتل عشرات من سكان قرية حولا، المجاورة لكيبوتس منارة على الجانب اللبناني من الحدود. وهو الجندي الوحيد الذي حوكِم بتهمة قتل عرب خلال حرب العام 1948، بسبب إصرار نائب قائد الكتيبة، دوف يرميا، على محاسبته. وقال لاهيس إنه تصرّف وفق أوامر قادته، وحُكم عليه بالسجن عامًا واحدًا. لكنّه عمليًا لم يُرسل إلى السجن، بل أمضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية، ثم حصل سريعًا على عفو. ثم عُيِّن لاحقًا مديرًا عامًا للوكالة اليهودية.
أشار القاضي جدعون إيلات، أحد أعضاء هيئة المحكمة، إلى أن فظائع أشد وقعت خلال الحرب، وأبدى دهشته من أن لاهيس وحده قُدّم للمحاكمة. وكتب أنها لم تُتخذ إجراءات بشأن "جرائم حرب كثيرة ارتكبها قادة وجنود"، ما يوحي بأنه رأى في لاهيس كبش فداء. ولم يكن كلام إيلات معزولًا؛ فقد حظي دفاع لاهيس، القائم على أنه نفّذ أوامر، بدعم عدد من الضباط الكبار الذين أدلوا بشهاداتهم. وتُنشر هذه الإفادات هنا للمرة الأولى، وستصدر في كتاب عن معهد "عكيفوت". ومن بين الشهود مردخاي مكيلف، ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، الذي سيُعيَّن بعد أربع سنوات رئيسًا لأركان الجيش. قال مكيلف: "كانت هناك عمليات تم فيها القضاء على العدو المحتمل، أي على مدنيين. مثلًا في صفصاف، والجش، وعيلبون، واللد، والرملة، وفي الجنوب على نطاق أوسع. الهدف كان الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص كانوا يعيشون في الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من عنصر إرهاب أولي كي يرحلوا".
وقدم مكسيم كوهين، قائد لواء "كرميلي" خلال الحرب، شهادة قاسية بدوره، وقال: "كيف تُفرغ قرية؟ تُقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيفرّون جميعًا. عمليًا لم يتم إخلاء أي قرية من دون طعن أحد في بطنه أو وسائل مشابهة. انتصرنا بفضل الخوف الذي شعر به العرب، وقد خافوا من أفعال ليست قانونية".
وقال حاييم بن دافيد، ضابط العمليات في لواء "كرميلي" ولاحقًا لواء في الجيش والسكرتير العسكري لبن غوريون، إن طرد السكان العرب كان أمرًا مألوفًا، وإن "تطهير المنطقة يتجلّى في عمليات قتل" تبعًا للظروف. وأضاف: "في أوامر العمليات كنا نحرص على عدم ذكر القتل، والتعليمات المتعلقة بالسلوك كانت تُعطى شفهيًا لقادة الكتائب". ووفقًا له، لم تدعُ الأوامر المكتوبة الصادرة عن القيادة العامة إلى تدمير القرى، لكن ما جرى على الأرض تمّ "بعلم القيادة العليا". وماذا لو أصرّ ساكن عربي على البقاء في بيته؟ "يتلقى رصاصة"، قال بن دافيد. "كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعرف أيضًا أننا في مرات كثيرة لم نلتزم بها. استخدمنا وسائل غير قانونية". وأوضح أن هذه الوسائل استُخدمت كذلك ضد النساء والأطفال.
كما أدلى بالشهادة قائد اللواء السابع، يوسف إيتان، الذي سيُعيَّن لاحقًا قائدًا للمنطقة الوسطى. وتطرق إلى الفجوة بين الأوامر المكتوبة والتعليمات الشفهية، وقال إنه لم يرَ أمرًا مكتوبًا "بإبادة كل نفس حية"، "أما كإشارات وتلميحات، فنعم". وأضاف أن قادة الميدان كانت لديهم "صلاحية تفسير الأمر"، موضحًا أن "جنودنا قضوا على سكان" تنفيذًا لأوامر تلقّوها.
وروى يسرائيل كرمي، الذي كان قائد كتيبة في اللواء السابع، وقائع احتلال بئر السبع، وأوضح أن الأسلوب كان قتل المدنيين الذين يعارضون.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية



