الأم في الدراما المغربية

صورة الأم في الدراما المغربية .. قصة تحول مستمر من الثبات إلى التصدع

لا تمثل الأم في الدراما المغربية مجرد وجه يمرّ في خلفية الحكاية، ولا صوتاً خافتاً ينساب بين جدران البيت، بقدر ما هي ذلك القلب الخفي الذي ينبض تحت جلد المجتمع، وتلك الذاكرة التي ترفض أن تُمحى، حتى وهي تتشقق بصمت. إنها الكائن الذي حمل طويلاً عبء القداسة، قبل أن يُجبر على النزول من عليائه، ليواجه نفسه عارياً أمام أسئلة العصر، وأمام قسوة التحولات التي لم تعد ترحم أحداً.

وفي هذه الدراما، لا نرى الأم كما قيل لنا إنها كانت، وإنما كما صارت، وكما تُجبر أن تكون. ونراها تتهاوى من صورة الطهر المطلق إلى إنسانيتها الكاملة، ومن رمز مطمئن إلى كيان قلق، ومن حارسة القيم إلى امرأة تبحث عن معنى وجودها وسط عالم يتفكك. وهنا، لا تعود الأم مجرد حضن، ولكنها تصبح جرحاً مفتوحاً، وذاكرة مثقلة، وصوتاً يصرخ حين يعجز الكلام.

ولا يعتبر هذا التحول تفصيلاً جمالياً عابراً، ولكنه زلزال صامت يعيد كتابة علاقتنا بالأم وبالأسرة وبأنفسنا. إنه انتقال من سردية تمجيد إلى خطاب مساءلة، ومن يقين مطمئن إلى شكّ وجودي عميق. فحين تتغير صورة الأم، يتغير كل شيء، لأننا لا نعيد فقط النظر في شخصية درامية، بقدرما نعيد التفكير في معنى الحماية، وفي معنى الحنان والحب، وفي معنى أن نكون أبناءً لعالم لم يعد كما كان.

الأم .. ذاكرة جماعية وضمير أخلاقي

تتبدى صورة الأم في الدراما المغربية بوصفها مرآة عاكسة لتحولات المجتمع المغربي نفسه، إذ لا يمكن فصل تمثلاتها عن السياقات التاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي أعادت تشكيل مفهوم الأسرة والهوية والسلطة داخل البيت المغربي. لقد انتقلت الأم من كونها رمزًا للحنان المطلق والاستقرار الأسري في ثمانينات القرن الماضي إلى شخصية مركبة، متوترة، ومحمّلة بأسئلة الوجود والسلطة والهوية في الدراما المعاصرة. وهذا التحول لم يكن اعتباطيًا، بقدر ما هو نتاج وعي نقدي وفني متزايد عبّر عنه كتاب ومخرجون عبر أعمالهم وخطاباتهم الجمالية والفكرية.

وفي مرحلة الثمانينات حتى بداية الألفية الثالثة، رسخت الدراما المغربية صورة الأم المثالية، الأم التي تضحي بصمت وتدير المنزل بكفاءة، كما في أعمال تلفزيونية وسينمائية جسدت ما يمكن تسميته “يوتوبيا الأسرة المغربية” حيث هذه الدراما المغربية بنت شخصياتها وفق نموذج الاستقرار، حيث كانت الأم جزءًا من نظام أخلاقي يعيد إنتاج القيم المحافظة. وفي هذا السياق، لم تكن الأم شخصية مستقلة بقدر ما كانت وظيفة سردية تضمن تماسك العائلة. وتحضرني أسماء عديدة: سعاد صابر وثريا جبران، نعيمة المشرقي وحبيبة المذكوري، وأمينة رشيد وفاطمة وشاي… وهن يمثلن الجيل الأول للأمهات في الدراما المغربية.

غير أنه منذ التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ومع صعود الحركات النسوية والتحولات الاجتماعية، بدأت إعادة صياغة هذه الصورة، فبدت الأم لم تعد ذلك الكائن الصامت، فقد أصبحت صوتًا يسائل ذاته والعالم من حوله. وهذا التحول جعل من الأم شخصية تعيش صراعًا بين أدوارها التقليدية وطموحاتها الفردية، وهو ما تجلى في أفلام ومسلسلات كشفت هشاشة هذا التوازن.

وتحتل صورة الأم في الدراما المغربية مكانة مركزية تتجاوز كونها مجرد شخصية ضمن البناء الحكائي، لتغدو رمزاً مركباً يعكس تحولات المجتمع، وتناقضاته، وأحلامه المؤجلة. فالأم في هذه الدراما ليست فقط الحاضنة البيولوجية، ولكنها ذاكرة جماعية، وضمير أخلاقي، وأحياناً ضحية صامتة لمنظومات اجتماعية قاسية. ومن خلال تتبع حضورها في الدراما المغربية، نكتشف أن تمثلاتها تتراوح بين النموذج التقليدي المرتبط بالتضحية والصبر، والنموذج الحديث الذي يلامس أسئلة الاستقلالية والكرامة والتمرد على الأدوار النمطية. ويشكلن الجيل الثاني من الأمهات: السعدية لديب، لطيفة أحرار، فاطمة خير، فاطمة عاطف، خلود البطيوي، ودنيا بوطازوت…

في البدايات، كانت الأم تُقدم في الدراما المغربية بوصفها كائناً مُقدساً، قريباً من صورة الأم في المخيال الشعبي، تلك التي “تحت الجنة أقدامها”، حيث تُختزل في العطاء غير المشروط، وفي القدرة على التحمل. وكانت شخصيات الأمهات في أعمال مثل “لالة فاطمة” أو “دار الورثة”… تنتمي إلى هذا الأفق، حيث تظهر الأم كعمود البيت، تحافظ على تماسكه رغم الفقر أو غياب الأب أو قسوة الأبناء. في أحد المشاهد المؤثرة، تقول الأم لابنها: “أنا ما بغيت منك والو، غير تبقى راجل وتعرف قيمة الدار”، وهي جملة تختزل فلسفة الأم التقليدية التي ترى في الاستمرار الأخلاقي للأسرة هدفاً أسمى من ذاتها.

تخطي الكتابات الاحتفالية إلى عتبات الأم المتسلطة والنرجسية…

وتطورت الدراما المغربية وأساليب البحث فيها من زوايا متعددة في العقود الأخيرة، خصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية، فلم تعد الأم رمزًا أخلاقيًا مطلقًا، فقد أصبحت شخصية رمادية، قادرة على التواطؤ، الكذب، وحتى العنف الرمزي. ولم تعد الدراما المغربية الجديدة تبحث عن الأم المثالية، ولكنها تبحث عن الأم الحقيقية، تلك التي تحمل تناقضاتها بجرأة.

وفي هذا الإطار، برزت الأم بوصفها شخصية مأزومة، تعيش القلق والتوتر، حيث تتحول الأم إلى مركز درامي يكشف هشاشة البنية العائلية، حيث تقول البطلة في لحظة انكسار: “أنا أحاول فقط أن أكون كما يريدونني، لكنني لا أعرف من أكون”. وهذا الاعتراف يختزل مأزق الأم الحديثة التي لم تعد قادرة على التوفيق بين ذاتها ومتطلبات المجتمع.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة شخصيات الأم بوصفها مثالًا على الأم التي تجد نفسها في قلب عالم متغير، مضطرة إلى إعادة تعريف أخلاقياتها. ويعكس هذا التحول انهيار اليقينيات التقليدية، حيث لم تعد الأم حارسة القيم بل جزءًا من لعبة معقدة من السلطة والنجاة.

ومن جهة أخرى، تناولت الدراما المغربية الأم من زاوية نفسية عميقة، خاصة في أعمال تستلهم التحليل النفسي حيث تغدو الأم ككائن كوني، يتعرض للاستنزاف والتدمير، في استعارة واضحة عن التضحية المطلقة. وتقول الشخصية في لحظة ذروة: “أعطيتك كل شيء، ولم يبقَ مني شيء”. وتكشف هذه العبارة عن رؤية مأساوية للأمومة، حيث تتحول إلى فعل فناء.

كما أن الدراما المغربية لم تتردد في تفكيك صورة الأم من خلال طرح نماذج سلبية أو مضادة، مثل الأم المهملة أو المسيطرة أو النرجسية، بحيث تخطت الكتابة عتبة الكتابة الاحتفالية وكشفت عن الظلال المخبأة خلفها وفي أعمالها، ونجدها أمًا قادرة على التلاعب والخداع، ما يعكس تحررًا من الصور النمطية.

لكن مع تطور الكتابة الدرامية، بدأت صورة الأم تعرف تحولات عميقة، حيث لم تعد فقط تلك المرأة الصابرة، وإنما أصبحت شخصية مركبة تعيش صراعات داخلية. وفي بعض الأعمال الحديثة، نراها تعاني من التهميش، أو من العنف الرمزي، أو حتى من الإقصاء داخل أسرتها. وفي مسلسل “سلمات أبو البنات”، مثلاً، تتجسد الأم في صورة امرأة قوية لكنها مثقلة بمسؤوليات لا تنتهي، حيث تقول في لحظة انكسار: “كنحاول نكون أم مزيانة، ولكن حتى أنا خاصني شي حد يسمع لي”، وهي جملة تعيد الاعتبار لإنسانية الأم، وتكسر صورتها الأسطورية.

لقد لعبت أسماء بارزة في الدراما المغربية أدواراً حاسمة في ترسيخ هذه الصورة، ومن بينها ثريا جبران التي قدمت أدواراً أمومية عميقة تتسم بالقوة والحنان في آن واحد، حيث كانت تجسد الأم التي تقاوم بصمت، وتمنح أبناءها القدرة على الاستمرار رغم الألم. كما برزت لطيفة أحرار في أدوار أمومية حديثة، تعكس تحولات المرأة المغربية، خاصة في علاقتها بذاتها وبأبنائها، حيث لم تعد الأم مجرد مرآة للأسرة، وإنما ذاتاً تبحث عن تحققها الخاص.

ولا يمكن الحديث عن الأم في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
جريدة كفى منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 21 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 16 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 20 ساعة
أشطاري 24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة