في جديده الإبداعي: «كتاب الغرفة»، يرتحل الشاعر اللبناني «عقل العويط» بين الكلمات، يمتشق قلمه ليعيد تركيب تجارب الحياة. وفي متعة وعفوية يدون ذاكرة الذات. وعبر شعرية بصرية يتواطأ ضمناً مع المتلقي لإيهامه بواقع الغرفة الذي يراه. ومن ثم يصبح القلم بمثابة كاميرا تحول الواقع إلى تجربة تأملية تجمع أشلاء الذاكرة وتدونها.
تبدو الغرفة، هنا، في صدارة النص ومفتتحه. فهي العتبة النصية التي تتشكل عبرها الرؤية السردية. يقول العويط: «في هذه الغرفة (...) هنا أنجزت آية حياتي، وهي أعلى مراتب وجودي وشعري. فمن مثلي» (ص21). يظهر «أني كلما خططت سطراً على ورق، أو على شاشة، راودني إحساس بأني أخترع الحياة والحبر والحروف والكلمات. فأن تولد الأشكال والمعاني اللغوية من لا شيء وأن تختلق الدلالات والتخييلات، ذلك يوازي عندي فعل الولادة» (ص21).
فالغرفة هنا تمثل مركز الكينونة والألفة، وهي اللغة الكونية التي تخاطب الذات. وشاعرنا يحول الغرفة إلى بنية موازية للعالم، ويصنع جنته الأدبية من خلالها. يستحضر العالم والكون والكينونة إلى غرفة وطاولة للكتابة، الأمر الذي يولد تجربة شعرية فريدة. يقول إن الغرفة كانت «هي جسدي وكياني ومتكئي وبطلتي» (ص7)، وإنها تمثل موضع الكتابة والقراءة والحب والحنين. الغرفة هنا ليست مجرد مكان مادي، بل هي كيان روحي وجسد ثان. وعلاقة عقل العويط بالغرفة هي علاقة جدلية، أشبه بحالات الخروج والاستقصاء؛ حيث يحول الغرفة إلى بنية موازية للعالم، ويستخدمها كأداة لاستكشافه واستكشاف الذات في آن. وتبدو كتابته للوهلة الأولى عفوية بسيطة راصدة لتفاصيل الذات والمكان بصورة عابرة، لكنها في الحقيقة كتابة مراوغة تخفي من الدلالات ما يدفع القارئ للتأمل لا بل لمشاركته التجربة! يقول: «عندما أعود إلى هيكلي الشخصي الذي بالعقل، أنادي البحر ليسمعني جيداً، هو الذي لا ينصت إلا لذاته باعتبارها ملجأ الحضرة الكونية، فأجدني أنادي نفسي بالذات..» (ص58).
وكاتبنا هنا يتخيل أن الغرفة تتحول في وعيه إلى غابة أسطورية، مفعمة بالحياة والمتاهات، بما يوحي باتساع عالمه الداخلي عبر دوائر التخييل لديه...! وكأنه هنا يقرأ نص الكون، يعيد كتابته في صيغة أدبية، موظفاً طاقات الخيال المنفلت من أسر الواقع السياسي في لبنان ليضيف إلى حياته حيوات أخرى. هنا تصبح الغرفة حالة شعرية بصرية تسهم في إحلال العالم الداخلي محل الخارجي: «غابة لا ابتداء لها ولا انتهاء، فتمتد وتتشابك وتلتف وتتوالد وتتجدد وتنمو، على غرار المتاهات الغاباتية الأسطورية» (ص35). ويقول: «تحتلني هذه الغرفة احتلالاً مخدراً، يشبه الغفلة، وقد يشبه الانخطاف. صدقيني أيتها المرايا التي يرتسم عليها وجهي، وتتراءى على صفحاتها خفايا رأسي، في مقدوري أن أمضي أياماً متتالية، بلياليها، في هذه الغرفة، من دون أن أشعر بالرغبة فى مغادرتها إلا لسد جوع وعطش» (ص12).
فالكتابة هنا، فعل حفر دائم في الذات وفي العالم. حفر يهدف إلى بلوغ المعرفة. ويظل البحث عن الذات ومساءلتها هاجساً مركزياً، فيما تنعكس صورة الأنا في مرايا الغرفة. يقول: «أزعم يا غرفتي، أن العالم كله مقيم في بمآسيه، وفواجعه، وعبثياته، وبالعدمية جميعها» (ص115).
تغدو الغرفة عملاً تخييلياً ذا طابع ثوري يمهد لتكون الكينونة وخروج الذات من حدودها الضيقة، في تماه، يجعل الذات امتداداً للمكان. يقول: «كيف يمكنني أن أتنازل عن»ممتلكاتي«في المدى الخارجي، مكتفياً بهذا المكان المعتزل، مستقيلاً من العالم، متغيباً عن وقائعه واحتفالاته وأسراره وكنوزه. الممتلكات التي تومئين إليها، والعالم الذي تحيلينني عليه، أيتها السيدة الشاعرة، هما كلهما عندي، في، معي. فمن مثلي» (ص53).
يمثل «كتاب الغرفة» علامة دالة على تحول الكتابة إلى نمط جديد من المحكيات التي توظف أحداثاً ومواقف عاشها المؤلف ليكشف عبرها عن ذاته. وهذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
