في لحظة إقليمية مشحونة، تعود منطقة الساحل والصحراء إلى واجهة الأحداث، لا كمجرد فضاء جغرافي مضطرب، بل كساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ والصراع. فبينما يقترب ملف الصحراء المغربية من محطة دبلوماسية مفصلية، اقتحمت مالي المشهد فجأة، لتفرض نفسها كحلقة جديدة في معادلة إقليمية معقدة، وتعيد طرح أسئلة محرجة حول ترابط الأزمات ومن يقف وراء تدويرها.
على امتداد عقود، ظل النزاع المفتعل في الصحراء المغربية أحد أبرز بؤر التوتر في شمال إفريقيا. وخلال هذه الفترة، واصل النظام العسكري الجزائري تغذية هذا الملف عبر دعم جبهة البوليساريو سياسيًا وعسكريًا. غير أن هذا الدعم، بحسب قراءات واسعة، لم يكن مجرد موقف مبدئي، بل ورقة استراتيجية استُخدمت لتوسيع النفوذ الإقليمي وصناعة توازنات تخدم حسابات داخلية وخارجية.
اليوم، تهتز هذه المعادلة على وقع تحولات لافتة. فقرار مالي سحب اعترافها بالبوليساريو، واصطفافها إلى جانب مقترح الحكم الذاتي، أسوةً بعدد متزايد من الدول، خاصة في ظل القرار الأممي الأخير 9727، لا يبدو خطوة معزولة. بل يُقرأ كتحول نوعي قد يوجّه ضربة دبلوماسية موجعة، تُفقد الجزائر إحدى أبرز أوراقها داخل القارة الإفريقية.
لكن ما يثير الانتباه أكثر، هو تزامن هذا التحول الدبلوماسي مع تصعيد أمني لافت داخل مالي. هجمات منسقة، واستهداف لمناطق استراتيجية، ومؤشرات على هشاشة متزايدة في المشهد الأمني كلها عناصر أعادت إلى الواجهة فرضية مفادها أن ما يجري ليس مجرد صدفة، بل جزء من إعادة توجيه الصراع نحو جبهات بديلة.
بعض التحليلات تذهب أبعد من ذلك، متحدثة عن نمط يتكرر في المنطقة: الاستثمار في حركات ذات طابع انفصالي أو مسلح، بما يخلق أزمات مزمنة تُستخدم كورقة ضغط جيوسياسي. ورغم أن هذه الفرضيات تظل محل نقاش، فإن تزامن التحولات السياسية مع التصعيد الميداني يمنحها قدرًا متزايدًا من الزخم.
في المقابل، ترفض الجزائر هذه الاتهامات بشكل قاطع، وتؤكد أن موقفها من قضية الصحراء يندرج ضمن دعم حق تقرير المصير ، مع التشديد على التزامها باستقرار منطقة الساحل. غير أن تضارب الروايات، واتساع فجوة الثقة بين الأطراف، يكرسان حالة ضبابية تجعل من الصعب الإمساك بحقيقة ما يجري على الأرض.
وسط هذا المشهد، تتحول مالي إلى مختبر حقيقي لإعادة تشكيل التوازنات، حيث تسعى إلى فك الارتباط مع أنماط النفوذ التقليدية، وإعادة صياغة تحالفاتها الأمنية والسياسية. وهو تحول يضع النظام الجزائري أمام اختبار صعب: التكيف مع واقع إقليمي جديد، أو مواجهة خطر تآكل نفوذه الاستراتيجي.
في المحصلة، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة إعادة تدوير الأزمات ، حيث لا تنتهي الصراعات بقدر ما تُعاد صياغتها في جغرافيات مختلفة. وبين الصحراء المغربية وعمق الساحل، يظل السؤال معلقًا: هل نحن بصدد طي صفحة نزاع طويل، أم أننا أمام نسخة جديدة منه تُكتب هذه المرة على أرض مالي؟ أم أننا أمام فيلم بنفس السيناريو ونفس المخرج، مع تغيير المكان والممثلين؟
كان الله في عون دولة مالي الشقيقة .
بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
