الفراقشية يختطفون الكرة.. والشباب إلى السجون

ما جرى على هامش المباراة التي جمعت الجيش الملكي والرجاء الرياضي ليس حادثًا معزولًا ولا انفلاتًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لمسار مختل تُدار فيه الرياضة بمنطق النفوذ والسمسرة لا بمنطق القيم. حين تتحول المدرجات إلى ساحات للعنف، والشوارع إلى امتداد للاحتقان، فالمشكل لا يكمن فقط في الجمهور، بل في منظومة كاملة صنعت هذا المناخ وراكمت أسبابه.

قرار وضع 136 شخصًا تحت تدابير الحراسة النظرية، مع الاحتفاظ بحدثين، يعكس خطورة ما وقع، لكنه لا يلامس جوهر الأزمة. لأن المقاربة الزجرية، رغم ضرورتها، لا تعالج إلا النتائج، بينما تُترك الأسباب الحقيقية دون مساءلة. نحن أمام واقع مركب، تتداخل فيه عوامل اجتماعية ونفسية، لكن أيضًا اختراقات خطيرة للرياضة من طرف المال والنفوذ.

الاحتقان الذي بلغته ملاعب وشوارع عدد من المدن الكبرى لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لاختلالات عميقة في التسيير الرياضي وهفواته، وصفقات بملايير الدراهم تُصرف في انتقالات اللاعبين دون شفافية كافية أو محاسبة حقيقية. هذه الصورة تعيد إلى الأذهان ما كُتب قبل عقود عن تغوّل شبكات تبييض الأموال داخل FIFA، حيث تحولت اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى مجال مفتوح أمام تضخيم الصفقات وتمرير المصالح المالية المعقدة. لم يعد الأمر يتعلق بفضائح بعيدة، بل بواقع تتقاطع فيه الممارسات المحلية مع منطق عالمي يُفرغ الرياضة من روحها.

في هذا السياق، برز الفراقشية كفاعلين مركزيين في اختطاف اللعبة. لم يعودوا مجرد سماسرة لاعبين، بل شبكة متعددة الوجوه: وسطاء، منتخبون، مسؤولون، وأصحاب مصالح يتقاطعون عند هدف واحد تحويل كرة القدم إلى تجارة مربحة، حتى لو كان الثمن هو تفجير المدرجات. انتقالات تُطبخ في الكواليس، عمولات خفية، وأندية تُدار وكأنها إقطاعيات خاصة.

ما يحدث اليوم يفرض طرح مسألة الفصل بين الرياضة والسياسة والنفوذ. فبعض تجار الانتخابات وجدوا في الأندية والجماهير خزّانًا انتخابيًا وواجهة لتلميع الصورة وبناء شبكات الولاء. وهكذا لم تعد الرياضة مجرد لعبة، بل أداة ضمن حسابات ضيقة تُستعمل لتوزيع الامتيازات وشراء الصمت.

الملاعب والمنشآت الرياضية ملك عمومي، ممولة من أموال دافعي الضرائب، لكنها تُدار في كثير من الأحيان بعقلية خاصة. وهو ما يجعل مسؤولية السلطات العمومية، وخاصة أجهزة إنفاذ القانون والقضاء، مضاعفة: تطبيق القانون بحزم على الجميع، من المدرجات إلى مكاتب التسيير، مع التدقيق اللازم حتى لا يُظلم الأبرياء أو يُزج بمندسين في غير موقعهم.

العنف الذي نراه في الملاعب ليس أصل المشكلة، بل عرضها. حين يشعر الجمهور أن ناديه يُدار كغنيمة، وأن النتائج لا تُصنع فقط داخل الملعب بل أيضًا في الكواليس، يتحول التشجيع إلى غضب. وحين تُستعمل الجماهير كأداة ضغط أو كخزان انتخابي، يصبح الانفجار مسألة وقت.

المدرجات لم تعد دائمًا فضاءً للفرجة، بل تحولت في بعض الحالات إلى ساحة لإثبات الذات بشكل عدواني، تغذيه خطابات مشحونة بالكراهية والاحتقان. وثقافة الألتراس ، التي كانت في أصلها تعبيرًا إبداعيًا عن الانتماء، انحرفت في بعض تجلياتها نحو منطق الصدام، في ظل غياب التأطير وتداخل المصالح.

وفي الخلفية، يواصل الفراقشية إدارة اللعبة: يتاجرون في اللاعبين، في الجماهير، في صورة الأندية، بل وحتى في الانتماء نفسه. هؤلاء لا يرون في الرياضة إلا سوقًا، تُباع فيها القيم قبل النتائج، ويُستثمر فيها التوتر بدل تهذيبه.

الرياضة في جوهرها فكرة نبيلة، لكنها اليوم ضحية استغلال متعدد الأوجه. وإعادة الاعتبار لها لن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية، بل عبر تفكيك المنظومة التي تُنتج العنف: فصل حقيقي بين المال السياسي والتسيير الرياضي، فرض شفافية مالية صارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء.

ما نعيشه اليوم ليس ذروة الأزمة، بل مؤشر على عمقها. فإما أن تُستعاد كرة القدم كفضاء للتربية والتنافس الشريف، أو نواصل الانزلاق نحو نموذج تُدار فيه الملاعب بمنطق السوق، وتُترك فيه الجماهير لتدفع الثمن.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
Le12.ma منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 11 ساعة
Le12.ma منذ 13 ساعة
أشطاري 24 منذ 10 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
هسبريس منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 6 ساعات