كرة القدم.. رؤساء يغنمون وقوات عمومية تعاني وأسر تتدمر

بينما تنصرف أضواء الملاعب لتسلط على رؤساء الأندية وهم ينتشون بانتصارات عابرة أو يبحثون عن مجد زائف يخدم طموحاتهم السياسية والانتخابية، تغرق الشوارع والمدرجات في دوامة من الفوضى التي تتجاوز حدود الرياضة لتصبح عبئاً أمنياً واجتماعياً ثقيلاً.

إن المشهد الرياضي الحالي لم يعد صراعاً على الكرة، بل أضحى استنزافاً يومياً لمقدرات الدولة وسلامة حماة الوطن في ظل تنصل واضح لرؤساء الأنظية من مسؤوليتهم الأخلاقية والتربوية في تأطير وتوجيه الجماهير.

رؤساء الأندية: الواجهة والوجاهة على حساب المسؤولية

معلوم أن الكثير من رؤساء الأندية يستعملون فرقهم كأدوات للترقي الاجتماعي والسياسي، حيث أضحى النادي بالنسبة لهؤلاء مجرد واجهة انتخابية بامتياز، تمنحهم الحصانة الشعبية والظهور الإعلامي. وفي الوقت الذي يجب أن تضطلع فيه مكاتبهم المسيرة بدورها الجوهري في تأطير الجماهير وتهذيب السلوك الرياضي، نجد صمتاً مطبقاً يصل حد التواطؤ، وفي حالات أخرى، شحناً خفياً للمشاعر يغذي روح الصدام.

إن هؤلاء المسؤولين لا يظهرون إلا في منصات التتويج لالتقاط الصور، ويتوارون عن الأنظار بمجرد اندلاع أول شرارة للشغب، تاركين الدولة وحدها في مواجهة "وحش" صنعته العشوائية في التسيير وغياب الرؤية التربوية.

القوات العمومية: في خط التماس الحارق

إن ما حدث في ملعب الأمير مولاي عبد الله من انفلات وشغب خلال لقاء الجيش الملكي والرجاء البيضاوي لم يكن مجرد حادث عرضي، بل هو تجسيد حي للمعاناة اليومية التي تعيشها القوات العمومية من أمن وطني ودرك ملكي وقوات مساعدة، حيث يجد هؤلاء الرجال أنفسهم أمام ضغط نفسي وجسدي هائل يفوق طاقتهم البشرية. فعلى الطرقات، تتحول المسالك المؤدية للملاعب إلى فضاءات خارجة عن السيطرة لا يحكمها قانون السير، حيث تعربد السيارات بمختلف أحجامها والدرجات النارية في تهديد صريح لسلامة المواطنين، ويقف رجال الدرك والأمن سداً منيعاً لمنع الكوارث المرورية.

أما داخل المدرجات، فيتحول التشجيع إلى اعتداءات جسدية واشتباكات دامية، تضطر فيها القوات المساعدة ورجال الأمن لدفع فاتورة باهظة من سلامتهم الجسدية، دفاعاً عن ممتلكات عامة ومقدرات وطن لا تعني للمخربين شيئاً.

الفاتورة الاجتماعية: أنين البيوت الصامت

وبمجرد أن تنطفئ صافرة النهاية وتفرغ المدرجات، تبدأ فصول مأساة أخرى صامتة داخل البيوت، حيث يتحمل الآباء والأمهات في نهاية المطاف العبء الأكبر لنتائج هذا التسيب. فبينما ينام "الرئيس" في رغد العيش مستفيداً من صفقات اللاعبين وأضواء الشهرة، تقبع أسر في دوامة الفقر والحزن بسبب أبناء ضاعوا في سراديب الشغب، فمنهم من انتهى به المطاف بعاهة مستديمة، ومنهم من يواجه ملاحقات قضائية تدمر مستقبله، ومنهم من فقد روحه في سبيل "شغف" زائف غابت عنه الرقابة والتوجيه.

إن هذا الاستنزاف الاجتماعي هو النتيجة الحتمية لتقاعس القائمين على الشأن الرياضي عن أداء واجبهم في التأطير، مفضلين الصيد في مياه الشهرة العكرة والتنصل من مسؤوليتهم فيما حدث ويحدث بمدرجات لعبة ورياضة كان يفترض أن تكون مسلية.

نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة

إن استمرار هذا الوضع يكرس معادلة مختلة قوامها "رؤساء يغنمون، وقوات عمومية تعاني، وأسر تتدمر"، وهي معادلة لا يمكن قبولها في دولة تشق طريقها نحو التقدم.

لقد حان الوقت لتنتقل الملاعب من "قنابل موقوتة" تهدد السلم الاجتماعي إلى فضاءات للرقي والتربية، وهذا لن يتأتى إلا بفرض رقابة صارمة على المكاتب المسيرة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يظل أمن الوطن وسلامة حماته رهينة لمطامع انتخابية أو مجد زائف يبحث عنه رؤساء لا يكترثون بحجم الدماء والدمار الذي يخلفه تقاعسهم.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
أشطاري 24 منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
Le12.ma منذ 11 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات