سينما الفوضى

أيُّ صورةٍ للإنسان تبقى حين ينهار المعنى، وتتفكك اللغة، ويصبح البطل مجرد صدى لصدعٍ داخلي لا يُرى؟ وأيُّ نظامٍ هذا الذي لا ينهار إلا من داخله، كأن الفوضى ليست عارضًا، وإنما جوهرًا خفيًا يتنفس في عروق العالم؟ ولا تُشاهد سينما الفوضى، بل تُصاب بها، فهي تتسلل إلى الوعي كحريقٍ بطيء، وتعيد صياغة أسئلتنا الأكثر قسوة: فهل نحن من نخلق العنف أم أننا نتشكل داخله؟ وهل البطل ضحيةٌ أم مرآةٌ لخرابٍ أعمق؟ ولماذا يبدو السقوط أحيانًا أكثر صدقًا من النجاة؟

وفي هذا الأفق القاتم، لا يعود البطل مركز الحكاية، بقدر ما يتحول إلى شظيةٍ داخلها، كائنٍ يتعثر في ذاته، يعيد إنتاج الفوضى وهو يظن أنه يقاومها. وهنا، لا تُطرح الأخلاق كخيار، ولكنها حطام، ولا يُفهم النظام كاستقرار، ولكنه قناعٌ هشٌّ يخفي عنفًا مؤجلًا. وتتفكك الصورة السينمائية نفسها، تتوتر، ترتجف، كأنها تعجز عن احتواء هذا الانفجار الإنساني.

وفي قلب هذا الجرح المفتوح، يهمس تايلر ديردن في فيلم “Fight Club” (نادي القتال)، الذي أخرجه ديفيد فينشر، بصوتٍ يشبه اعترافًا أخيرًا: «الأشياء التي تملكها، في النهاية تملكك». جملةٌ لا تشرح الفوضى، وإنما تفضحها، وتكشف كيف يتحول الإنسان إلى رهينةٍ داخل عالمٍ صنعه بيديه، ثم يفقد السيطرة عليه.

وهكذا تكتب سينما الفوضى بيانها المشتعل، لا لتُدين العالم، ولكن لتكشف هشاشته، لا لتمنح إجابات، بقدر ما تغرس الأسئلة في أعماقنا حيث لا مهرب من مواجهة الحقيقة الأكثر قسوة: ربما لم يكن العالم يومًا منظمًا، ولكن كنا نحن من نخاف أن نراه على حقيقته.

في “سينما الفوضى”، لا يتجسد البطل بوصفه نموذجًا أخلاقيًا مستقرًا، وإنما ككائن هشّ يتشكل داخل بيئات مضطربة، ويعيد إنتاج الفوضى بدل مقاومتها.

سرديات الانهيار والهوية الممزقة

تتأسس سينما الفوضى على كتابة سينمائية للانهيار، حيث يتلاشى اليقين ويتشقق البطل كمرآة لقلق العالم؛ فلا يعود العنف حدثًا، وإنما لغة، ولا المعنى يقينًا، وإنما أثرًا عابرًا. وتقابلها سينما النظام التي تبحث عن الاتساق والخلاص. وتفجر هذه السينما أسئلة حارقة عن الحرية والذنب وحدود الوعي: هل الفوضى سقوط أم حقيقة مستترة داخل بنية النظام نفسه؟

وفي فيلم A Clockwork Orange / “البرتقالة الآلية” (1971) للمخرج ستانلي كوبريك، يظهر البطل «أليكس» كرمز للفوضى المفرطة. هو ليس ضحية فقط، وإنما فاعل للعنف بوعي كامل. فهو يتلذذ بالعنف قبل أن يخضع لعملية «التأهيل القسري». وتكمن المفارقة هنا أن النظام الذي يحاول تهذيب الفوضى يصبح هو نفسه شكلًا من أشكال العنف المؤسسي، إذ يقول أليكس: «من المضحك كيف تبدو ألوان العالم الحقيقي أكثر واقعية عندما تراها على الشاشة». وتكشف هذه العبارة تداخل الواقع بالعنف المصنوع.

وفي فيلم The French Connection / “الاتصال الفرنسي” (1971) للمخرج ويليام فريدكين، يتجسد البطل «جيمي ديلون» في صورة شرطي مهووس بالمطاردة، يعيش على حافة القانون ذاته الذي يدافع عنه. ولا تتأسس الفوضى هنا خارج النظام، ولكن داخله، حينما يقول الفيلم في أحد حواراته: «إذا تتبعت المخدرات ستصل إلى المدمنين والتجار، لكن إذا تتبعت المال…»، وهي جملة تكشف أن الفوضى ليست هامشًا، بل مركزًا خفيًا للنظام.

وفي فيلم Apocalypse Now / “نهاية العالم الآن” أو “القيامة الآن” (1979) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، يتحول البطل «الكابتن ويلارد» إلى كائن داخل رحلة نفسية نحو قلب الفوضى في حرب الفيتنام. هنا لا يوجد بطل منتصر، وإنما رحلة نحو تفكك المعنى نفسه. وتقول شخصية «الكولونيل كورتز» عبارته الشهيرة: «الرعب… الرعب»، وهي لحظة إدراك أن الفوضى ليست حدثًا، وإنما حالة وجودية مطلقة.

أما في فيلم Raging Bull / “الثور الهائج” (1980) لمارتن سكورسيزي، فإن البطل «جيك لاموتا» يجسد الفوضى الداخلية التي تتحول إلى عنف ذاتي. ولا تمثل الملاكمة هنا رياضة، ولكنها ساحة تفريغ نفسي، حينما يقول في لحظة تأمل: «أنا لست حيوانًا، أنا إنسان»، في محاولة يائسة لاستعادة معنى الإنسانية وسط الانهيار الذاتي.

وفي فيلم Heat / “حرارة” (1995) لمايكل مان، تتجسد الفوضى في علاقة متوازية بين الشرطي واللص، حيث يلتقي النظام والجريمة في نقطة واحدة. يقول شخصية «نييل ماكولي»: «لا تتعلق بأي شيء لا تستطيع التخلي عنه خلال 30 ثانية»، وهي فلسفة وجودية قائمة على الانفصال الكامل كشرط للبقاء داخل عالم فوضوي.

من خلال هذه النماذج، يتضح أن البطل في سينما الفوضى لا يمثل شخصية مستقرة، فهو بنية متحولة تتأرجح بين العنف والوعي، وبين النظام والانهيار؛ أحيانًا يكون الجاني، وأحيانًا الضحية، وأحيانًا الاثنين معًا. ولا تتأسس الفوضى هنا فقط على خلفية سردية،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
جريدة كفى منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 13 ساعة
موقع بالواضح منذ 8 ساعات