حين شاهدتُ ذلك المشهد، لم أفكر لا في السياسة ولا في القانون. فكرتُ في هذا الانحدار البطيء الذي يجعل الإنسان يقتنع أنه يدافع عن القيم وهو في الحقيقة يهينها، ويظن أنه يطهّر المكان بينما هو يلوّث الوطن وتاريخه وقيمه.
أشخاصٌ يحملون الماء ومواد التنظيف ليغسلوا موضعاً لأن يهوداً صلّوا بقربه. لم أستطع أن أرى في ذلك غضباً سياسياً مفهوماً ولا موقفاً من قضية مهما حاولتُ. رأيتُ علامةً على أن شيئاً ما يتغير فينا على نحو لم نتوقف لنحاسب أنفسنا عليه بجدية كافية.
المغرب الذي أعرفه كان بلداً يحمل داخله أكثر من رافد دون أن يُصاب بالهلع. هويته العريقة استوعبت الجميع. في جبال الأطلس وسهول سوس والمدن العتيقة عاش على هذه الأرض مسلمون ويهود وغيرهم في مصير مشترك واحد. لم تكن تلك مسامحةً متكلَّفة يمارسها الناس حين يُذكَّرون بها بل كانت طريقة حياة لم يجد أصحابها حاجةً إلى تسميتها. المزارات والأضرحة لم تفرق في قدسيتها بين مسلم ويهودي. التدين المغربي الأصيل كان يرى في الله رحمةً لا مشروعاً للفرز بين البشر. ذلك الإرث لم يأتِ من قرارات فوقية ولا من خطب رسمية بل كان راسخاً في الذاكرة الجماعية لأناس عاديين لم يحتاجوا يوماً إلى أن يُنظّروا للتعايش لأنهم كانوا يعيشونه.
اليهود المغاربة لم يكونوا أقليةً مُتسامَحاً معها على مضض. هم جزء من نسيج هذا البلد وحين رحل جلّهم تركوا فراغاً حقيقياً ليس في الحسابات الديموغرافية بل في الروح. أن يأتي اليوم من يمسح أثرهم بالصابون فذلك ليس موقفاً سياسياً ولا خطأً فردياً عابراً. هو مسحٌ للتعايش ولقيم تامغرابيت التي تربينا عليها وبنينا عليها هويتنا المغربية. هو محوٌ للذاكرة وهو من أخطر ما يمكن أن يرتكبه شعبٌ في حق نفسه.
غير أن السؤال الأصعب ليس أين كنا بل كيف وصلنا إلى هنا.
الناس لا يولدون يحملون هذا القدر من الكراهية الجاهزة. يُصنعون على مهل وبأدوات متراكمة. بدأ الأمر حين دخل البارابول بيوتنا في التسعينيات هادئاً في صورة قنوات دينية تُقدّم نفسها مُعلِّمةً ومُرشِدة. لكنها كانت تحمل نموذجاً مختلفاً كلياً عن التدين المغربي الأصيل.
أوهمتنا تلك القنوات أن أعراسنا حرامٌ وموسيقانا منكرٌ وأوشام جداتنا جريمة. نزعت من الناس هويتهم التي ورثوها وألبستهم هويةً دخيلة لا جذور لها في هذه التربة باسم الدين الذي لا يجرؤ أحد على مساءلته. ثم جاءت القنوات الإخبارية لتُضيف البعد السياسي إلى هذا الحقن فصارت المنطقة كلها في نظر المشاهد المغربي البسيط حرباً أبدية يُجنَّد فيها يومياً لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل يتشرّب غضباً ليس غضبه ويتبنى عداوات ليست عداواته. ثم أتت وسائل التواصل الاجتماعي لترفع كل ذلك إلى حده الأقصى في بيئة تُكافئ الصراخ وتُهمّش التأمل.
وهكذا وجدنا أمامنا بعد عقدين ونيف من هذا الري المتواصل قاعدةً شعبيةً واسعةً مشحونةً جاهزةً للتعبئة. وحين وجدت توجهات سياسية مختلفة هذه القاعدة تسابقت للركوب عليها ودغدغة مشاعرها. وما أدهشني ولا يزال هو أن التوجه الإسلامي المحافظ والتوجه اليساري اللذين يتناقضان في كل شيء وجدا أنفسهما يُغذّيان المشاعر ذاتها. ما الذي جمعهما رغم كل هذا التنافر؟ قاعدة مؤدلجة ومشحونة يمكن تحريكها وتوظيفها كلٌّ لحساباته الخاصة التي لا علاقة لها في الغالب بما يُعلنه. والقضايا العادلة في هذه المعادلة هي الخاسر الأول تُختطف لتصبح وقوداً لمعارك لا يربح فيها من أطلق الغضب بل من وجّهه لمصالحه.
ومن يُراجع ادّعاء الطهارة الذي رُفع في مراكش سيجد أن أسوار مدننا التاريخية تتعرض يومياً لما هو أشد فتكاً من.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
