تُمثّل المشاعر المقدسة في مكة المكرمة محورًا روحيًا وجغرافيًا فريدًا في قلب العالم الإسلامي، إذ تتجلّى فيها أسمى معاني العبادة والخضوع لله تعالى، وتحتضن شعائر الحج التي تُعد الركن الخامس من أركان الإسلام.
وتضم هذه المشاعر ثلاثة مواقع رئيسة هي منى وعرفات ومزدلفة، التي تتكامل دلالاتها الدينية مع خصائصها الجغرافية لتشكّل منظومة متكاملة، يؤدي فيها الحجاج مناسكهم في أجواء إيمانية مهيبة، في مشهد سنوي يجسّد وحدة الأمة الإسلامية وتلاقيها على صعيد واحد.
ويُعد مشعر منى إحدى أبرز محطات الحج، إذ يقع على بُعد نحو سبعة كيلومترات شمال شرق المسجد الحرام، ويقضي فيه الحجاج أيام التشريق، ويؤدون شعيرة رمي الجمرات اقتداءً بسنة نبي الله إبراهيم عليه السلام.
ويتميّز مشعر منى بطبيعته الوادية المحاطة بالجبال، مما أضفى عليه عبر التاريخ طابعًا جغرافيًا أسهم في تنظيم حركة الحجاج وتوزيعهم.
ويُعرف المشعر بمدينة الخيام، إذ تنتشر آلاف الخيام الحديثة المقاومة للحريق ضمن منظومة متكاملة من الخدمات تشمل الإمدادات الكهربائية وشبكات التكييف وأنظمة السلامة، إلى جانب مشروع جسر الجمرات متعدد الأدوار، الذي يُعد نموذجًا هندسيًا متقدمًا لإدارة الحشود، ويسهم في تسهيل تنقّل الحجاج وأداء النسك بسلاسة وأمان.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور ناصر بن علي الحارثي في كتابه (التطور العمراني لمدن الحج والمشاعر المقدسة في عهد الملك عبدالعزيز) أن نشأة التنظيم العمراني للمشاعر المقدسة في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- انطلقت من احتياجات ميدانية ملحّة لخدمة الحجاج؛ فشهدت تلك المرحلة أعمالًا تأسيسية تمثّلت في تمهيد الطرق الترابية بين المشاعر، وتأمين مصادر المياه عبر الآبار والخزانات، وتنظيم مواقع النزول بما يحقق قدرًا من الانضباط المكاني.
ويشير إلى أن تلك الجهود شكّلت اللبنة الأولى لتخطيط أكثر شمولًا، إذ بدأت ملامح التنظيم الحديث بالظهور من خلال توزيع الحجاج وفق مناطق محددة، وتحسين مسارات الحركة بين منى وعرفات ومزدلفة، بما أسهم في تقليل التكدّس وتحسين الانسيابية.
ويتناول المؤلف التحولات اللاحقة التي شهدتها المشاعر، من إدخال شبكات الطرق المعبّدة إلى تطوير الخدمات الأساسية كالكهرباء والصرف الصحي، وصولًا إلى المشاريع الحديثة التي عززت قدرة المشاعر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج، مؤكدًا أن هذه المسيرة التطويرية المتراكمة أسهمت في بناء منظومة متكاملة لإدارة الحشود، تقوم على التخطيط المسبق والتكامل بين الجهات، وهو ما انعكس على مستوى السلامة والكفاءة التشغيلية في المشاعر المقدسة.
ويمثّل مشعر عرفات الركن الأعظم في الحج، إذ يقف الحجاج على صعيده الطاهر في التاسع من شهر ذي الحجة، في مشهد إيماني مهيب تتجلّى فيه معاني التضرع والخشوع والتجرّد من الدنيا، في صورة تعكس المساواة والأخوّة الإسلامية.
ويقع عرفات على بُعد نحو عشرين كيلومترًا شرق مكة المكرمة، وهو سهل فسيح تحيط به سلاسل جبلية، ويبرز فيه جبل الرحمة بوصفه معلمًا بارزًا في المشعر، وتمكّن طبيعته الجغرافية المفتوحة من استيعاب ملايين الحجاج في وقت واحد، مما يجعله نموذجًا فريدًا لإدارة الحشود البشرية على مستوى العالم.
وشهد المشعر تطورات كبيرة في البنية التحتية، شملت إنشاء شبكات طرق حديثة، وتظليل مساحات واسعة، وتوفير خدمات الإرشاد والإسعاف، بما يضمن راحة الحجاج وسلامتهم، فيما يُعد الوقوف بعرفة شرطًا لصحة الحج لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة».
أما مشعر مزدلفة، الواقع بين منى وعرفات،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
