كيف فقدت الديمقراطية التمثيلية صلاحيتها

ترجمة: علاء الدين أبو زينة أولريش فرومي* - (معهد ميسيس) 24/4/2026

إذا أردنا أن نحدّد أكثر مسلّمات الحداثة الغربية قداسةً -تلك التي لا يجرؤ أحد على استنطاقها- فإنها لن تكون من دون أدنى شك سوى الديمقراطية التمثيلية. إننا نفترض بطريقة تلقائية أنها أفضل شكلٍ من أشكال الحكم التي ابتكرها الإنسان على الإطلاق، وكأنها طريقة "نهاية التاريخ" في الحكم والإنجاز السياسي النهائي الأقصى.

الديمقراطية التمثيلية

ليست ديمقراطية

المشكلة الأولى هي مفاهيمية وقاتلة: إن الديمقراطية التمثيلية ببساطة ليست ديمقراطية. لا يمكن لشخصٍ واحد أن يمثّل بصورة كاملة حريةَ شخصٍ آخر، أو رغباته، أو احتياجاته، أو فردانيته. فكّر في فرد يمثّل مائة ألف شخص، كما هو الحال في فرنسا؛ بطبيعتها نفسها، تنفي الديمقراطية التمثيلية الفرد. إنها تحول دون تعبيره المباشر عن ذاته، وتُجبره على تفويض سيادته إلى وسيطٍ لا يمكن أن تتطابق مصالحه مع مصالحه -أو، إذا تطابقت، فبشكل مؤقت وافتراضي وتكهني فحسب.

في كتابه، "الليبرالية" Lib ralisme، يكتب باسكال سالان Pascal Salin:

"ليست الديمقراطية سوى طريقةٍ من طرق اختيار القادة، لكنها غير كافية للدفاع عن الحرية الفردية. تقوم الديمقراطية التمثيلية على فكرة حكم الأغلبية -فكرة أن فردًا واحدًا يمكن أن يكون "ممثلًا" بآخر من دون أن يفقد هويته- لكنّ هذه الفكرة ليس لها أي أساس علمي أو أخلاقي. إنها مجرد صيغة اعتباطية للحكم، وهو السبب في أن الديمقراطية يمكن أن تصبح استبدادية وطاغية".

يرى سالان أن حكم الأغلبية الذي يقوم عليه هذا النظام -"كما لو أن إنسانًا يمكن أن يُمثَّل بإنسانٍ آخر من دون أن يفقد هويته"- يشكل انحرافًا مفاهيميًا لا يمكن الدفاع عنه من منظور ليبرالي. وعلى الرغم من أن حكم الأغلبية يظل مفضلًا عن الديكتاتورية، فإنه يظل يشكل مع ذلك تراجعًا في الحرية الفردية.

وعليه، ينبغي النظر إلى التمثيل الديمقراطي من زاوية ما ينطوي عليه من تسويات اعتباطية: التخلي عن السيادة الفردية، والفشل في تمثيل التنوّع الحقيقي في الآراء. ليست الديمقراطية التمثيلية سوى تقنية للحكم، وهي، مثلها مثل سائر أشكال الحكم المركزية والجماهيرية، غير كاملة، ولا تختلف إلا في درجة عدم كمالها مقارنةً بأشكال الحكم الأكثر جماهيرية ونزوعًا إلى الجماعية.

نظام يفتقر بنيويًا

إلى المسؤولية

"ترتبط المسؤولية بالإرادة الحرة. وهي علاقة شخصية، وليست موقعًا أو مكانة داخل منظمة يُفترض أنها تملك عقلًا وإرادة. ولذلك، نحن لا نكون مسؤولين عن شيءٍ، أو شخصٍ أو مؤسسة، لكننا نكون بدلًا من ذلك مسؤولين تجاه شخصٍ ما". -باسكال سالان، "الليبرالية".

بالاستمرار في خطّ تفكير سالان، نجد أنه يحدّد مكمن قصور مهم آخر في الديمقراطية التمثيلية، يتمثّل في تمييع المسؤولية أو غياب الأطراف القابلة للمساءلة بوضوح. في الفكر الليبرالي، لا تنفصل الحرية عن المسؤولية. المسؤولية تُلزم الفرد بمواءمة أفعاله مع محيطه وواقعه، وإلا عانى من التداعيات. وبذلك، في مجتمع حر قائم على المسؤولية الفردية، فإن الفرد الذي لا يمكن مساءلته عن النتائج السلبية لأفعاله -سواء على نفسه أو على الآخرين- لا يكون قد تصرف بحرية حقيقية. وبما أن المجتمع يتكوّن من أفراد، فمن المهم أن نتذكّر أننا نكون دائمًا مسؤولين أمام شخصٍ ما، وليس أبدًا أمام كيانٍ مجرّد. كتب هايك Hayek (1):

"لا تعني الحرية فقط أن يمتلك الفرد فرصة الاختيار وعبئه، بل تعني أيضًا أن يتحمّل تبعات أفعاله، وأن ينال عليها ثناءً أو لومًا. الحرية والمسؤولية لا تنفصلان".

ولذلك، ندرك أن الهدف في أي مجتمع فعّال هو الربط الدائم بين الحرية والمسؤولية -وهو ما لا يتيحه نموذج الديمقراطية الجماهيرية، المفوَّضة والتمثيلية. إن ديمقراطية الكتلة المجهولة، المقترنة بمسؤولين منتخبين -"ممثلي الأمة" (وبالتالي ممثلي لا أحد)- تؤدي إلى تمييع المسؤولية، في الوقت الذي تمحو فيه الحرية الفردية. ونحن نرى ذلك باستمرار وبشكل منتظم في الأخبار: في الجمهورية، لا يكون أحد مسؤولًا عن شيء، وتتكاثر التحقيقات الهادفة إلى تحديد المسؤوليات. وهذا ليس خللًا عابرًا في النظام الديمقراطي كما نعرفه في الغرب، بل هو منطق هذا النظام المفاهيمي ذاته.

مفارقة تقنية تاريخية

ليس النموذج التمثيلي موضع استنطاق فلسفي فحسب؛ إنه أيضًا بقايا من الماضي. إن ما يُقدَّم على أنه الشكل الأكثر تقدّمًا للتنظيم السياسي ليس في الحقيقة سوى أقلّ الحلول التقنية سوءًا التي ابتكرتها مجتمعات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لجعل الديمقراطية الجماهيرية عاملة. كان ذلك عالمًا كانت فيه سرعة التواصل مقيدة بالمسافة، حيث كانت المجتمعات غير متحركة نسبيًا، وكان من المستحيل من الناحية الفيزيائية تصوّر تصويت مباشر على نطاق واسع. واليوم، لم تعد تلك القيود والمحددات موجودة.

اليوم، أخذت تتشكّل مجتمعات مصلحة لم تعد محصورة في إطار الجغرافيا أو الانتماء المكاني. وقد أتاحت التكنولوجيا للأفراد الذين يتشاركون القيم أو الأنشطة الاقتصادية أو التفضيلات أن يؤسّسوا مجتمعات سياسية خاصة بهم. ويجعل هذا التحوّل العفوي في الخريطة السياسية الديمقراطية التمثيلية القائمة على الجغرافيا تصبح عتيقة الطراز باطراد. وليس ذلك لأن أيديولوجيا ما أعلنت تقادمها، وإنما لأن الأفراد قد يجدون أنفسهم اليوم أقرب إلى أشخاص يبعدون عنهم مئات الأميال من قربهم إلى جيرانهم. وقد أصبح التمثيل الجغرافي -وهو من مخلفات زمن كانت فيه الرحلات تُقطع على ظهور الخيل- عاجزًا عن استيعاب هذا الواقع الجديد، ولن يكون قادرًا على استيعابه أبدًا. ويكفي دلالةً على هذا صعود "الدول الشبكية" وأنماط الترحال الرقمي.(2) كتب جيمس دايل ديفيدسون James Dale Davidson واللورد ويليام ريس-موغ Lord William Rees-Mogg في كتاب "الفرد السيادي":

"لقد أصبحت المواطنة متقادمة. ولكي تعظّم دخلك طوال حياتك وتصبح فردًا سياديًا، سوف تحتاج لأن تصبح زبونًا لحكومة أو لخدمة حماية بدلًا من أن تكون مواطنًا. وبدلًا من دفع أي أعباء ضريبية يفرضها عليك سياسيون متعطشون للجباية، ينبغي أن تضع نفسك في موقع يتيح لك التفاوض على اتفاق ضريبي خاص لا يُلزمك بدفع أكثر مما تساويه لك خدمات الحكومة فعليًا... لقد ازدهرت الديمقراطية الجماهيرية ومفهوم المواطنة مع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 10 ساعات
منذ 27 دقيقة
منذ 33 دقيقة
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
خبرني منذ 17 ساعة
خبرني منذ 19 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 14 ساعة
قناة المملكة منذ 21 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 18 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
قناة رؤيا منذ 16 ساعة
قناة المملكة منذ 18 ساعة