ملخص يبدو رقم 18 كأنه حقيقة طبيعية، لكنه في الواقع وليد سياق تاريخي محدد. فحتى منتصف القرن الـ20، كان سن الرشد في دول كثيرة 21 سنة، قبل أن يبدأ خفضه تدريجاً، بخاصة مع التحولات السياسية التي رافقت الحروب والتوسع في الحقوق المدنية. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال تكرس هذا التحول مع إقرار التعديل الـ26 للدستور الأميركي عام 1971 الذي خفض سن التصويت إلى 18. ولم يكن الدافع بيولوجياً بقدر ما كان سياسياً، إذا كان الشاب قادراً على القتال في الحرب، فمن المنطقي أن يكون قادراً على اختيار من يقرر تلك الحرب.
في تلك اللحظة القصيرة بمقياس الزمن، حين تطفأ الشموع ويعلن الرقم الجديد، يبدو كل شيء عادياً أكثر مما ينبغي. كعكة شهية وتهانٍ متتابعة وصور يجري التقاطها بفرح لتوثيق اللحظة. ومن الممكن أن تتسلم بطاقة هوية تحمل صفة "راشد"، أو تقف للمرة الأولى أمام صندوق اقتراع، أو توقع على ورقة لم يكُن مسموحاً لك تحمل مسؤولية محتواها قبل أشهر قليلة. كل شيء يوحي بأن عتبة ما جرى تجاوزها.
ومع ذلك، لا يحدث في الداخل ما يوازي هذا الإعلان، لا قفزة مفاجئة في الوعي، وليس هناك إحساس مكتمل بالمسؤولية، ولا تحول يمكن التقاطه بين ما كنت عليه بالأمس وما يفترض أنك أصبحت عليه اليوم. وحده إدراك خافت يتسلل، أن شيئاً ما تغير في نظر الآخرين، حتى لو بقي كما هو في داخلك.
لا تكمن المفارقة في الحدث نفسه، بل في وضوحه الخارجي وغموضه الداخلي، فبينما تُمنح فجأة صفة قانونية جديدة، يظل الإحساس بها مؤجلاً، أو ربما غير قابل للتحديد أصلاً.
فكيف يمكن لعمر واحد، رقم يضاف ببساطة إلى ما قبله، أن يرسم هذا الحد الحاد بين "قاصر" و"راشد"؟
الـ18: رقم قانوني لا بيولوجي يبدو رقم 18 كأنه حقيقة طبيعية، لكنه في الواقع وليد سياق تاريخي محدد. فحتى منتصف القرن الـ20، كان سن الرشد في دول كثيرة 21 سنة، قبل أن يبدأ خفضه تدريجاً، بخاصة مع التحولات السياسية التي رافقت الحروب والتوسع في الحقوق المدنية. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تكرس هذا التحول مع إقرار التعديل الـ26 للدستور الأميركي عام 1971 الذي خفض سن التصويت إلى 18. ولم يكُن الدافع بيولوجياً بقدر ما كان سياسياً، إذا كان الشاب قادراً على القتال في الحرب، فمن المنطقي أن يكون قادراً على اختيار من يقرر تلك الحرب. هكذا وُلد الشعار الذي اختصر المرحلة، "كبير بما يكفي للقتال كبير بما يكفي للتصويت".
بهذا المعنى، لم يُكتشف سن الـ18 بوصفه لحظة نضج حاسمة، بل جرى التوافق عليه كحل وسط بين ما يطلبه النظام وما يُمنح للأفراد. إنه رقم يعكس توازنات اجتماعية وسياسية أكثر مما يعكس تحولاً داخلياً قابلاً للقياس. وربما لهذا يبدو ثابتاً في القوانين، ومفتوحاً على الشك في التجربة.
ولم يكُن هذا التحول محصوراً في الولايات المتحدة وحدها، بل جاء ضمن موجة أوسع شهدتها دول عدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث أعيد النظر في سن الرشد القانونية تزامناً مع تصاعد الحركات الشبابية واتساع فكرة المشاركة السياسية. وفي المملكة المتحدة مثلاً جرى خفض سن التصويت من 21 إلى 18 عام 1969، في خطوة عكست تحولاً في تصور الدولة لدور الشباب، لا اكتشافاً جديداً لطبيعة نضجهم.
وفي السياق نفسه، يشير عدد من الدراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أن تحديد سن الرشد لم يكُن يوماً معياراً ثابتاً، بل يُعد قراراً يتغير تبعاً لحاجات المجتمع وظروفه. فالأعمار القانونية تختلف حتى اليوم بين الدول في مسائل متعددة، من المسؤولية الجنائية إلى الأهلية المدنية، مما يعكس غياب نقطة بيولوجية واضحة يمكن الاتفاق عليها.
بهذا المعنى، يبدو سن الـ18 أقرب إلى "خط تنظيمي" منه إلى لحظة تحول حقيقية. رقم يوفر وضوحاً قانونياً ضرورياً، لكنه لا يقدم تفسيراً كافياً لما يحدث داخل الفرد. وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة، كلما بدا الحد واضحاً على الورق، ازداد غموضه في الواقع.
لماذا تمتد المراهقة لما بعد الـ18؟ حتى اللغة التي تبدو أحياناً مجرد أداة وصف، تحمل أثراً من هذا الالتباس. في الإنجليزية، تمتد فئة المراهقين "teen" من الـ13 (thirteen) إلى الـ19 (nineteen)، مما يعني أن من بلغ الـ18، على رغم كل ما يُمنح له قانوناً، لا يزال من ناحية التسمية داخل المرحلة نفسها التي يفترض أنه غادرها. والكلمة نفسها تبقيه معلقاً بين موقعين، لم يعُد طفلاً، لكنه لم يغادر تماماً فضاء المراهقة.
وليس هذا الامتداد اللغوي تفصيلاً عابراً، إذ تشير دراسات في علم اللغة الاجتماعي إلى أن الكلمات لا تعكس الواقع وحسب، بل تسهم في تشكيله أيضاً. فحين يستمر توصيف فئة عمرية كاملة بوصفها "teen"، فإن ذلك يرسخ تصوراً ضمنياً بأنها مرحلة انتقالية، حتى لو كانت القوانين حسمت موقعها.
ومن هنا يبدأ التردد في الظهور خارج اللغة، نحن نُسمى "راشدين" في الوثائق، لكننا لا نعامل دائماً كذلك في الممارسة. ويُتوقع من الشاب في الـ18 أن يتحمل مسؤوليات كبيرة، أن يختار ويقرر ويحاسَب، لكن الثقة الممنوحة له تظل مشروطة، وغالباً ما تُستدعى فكرة "صغر السن" عند أول خطأ.
ويظهر هذا التناقض بوضوح في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

