الطبيب روج لممارسات علاجية غير مستندة إلى أي دليل علمي.. ودعا لوقف علاجات أساسية لأمراض مزمنة وخطيرة
الحيثيات: فرط سكر الدم الشديد قد يفضي إلى أزمات إسعافية مهددة للحياة والادعاء بأنه لا يضر يصطدم بثابت طبي قطعي مستقر
الادعاء بأن "الذي يضر هو الإنسولين" يعكس قلبا مضللا لمعادلة الفهم العلاجي
الدعوة لإيقاف علاج داء السكري والتوجيه المتعمد لتناول السكريات والعصائر يعرض المريض لمضاعفات حادة ومزمنة على حد سواء
طرح التجويع أو الحرمان الغذائي كعلاج للسرطان يصطدم بمتلازمة فقدان الوزن والكتلة العضلية للمريض
لم يتوقف الجدل حول الطبيب الراحل ضياء العوضي عند حدود حياته، بل امتد لما بعدها، ليتحول اسمه إلى محور نقاش محتدم بين الطب والعامة، وبين العلم وما يُروج خارجه، ففي 10 مارس الماضي، أصدرت الهيئة التأديبية بنقابة الأطباء، قرارا بإسقاط عضوية العوضي وشطبه من سجلات النقابة، بناء على الدعوى التأديبية المقامة ضده.
وكشفت حيثيات قرار الهيئة التأديبية بنقابة الأطباء والتي حصلت عليها «الشروق»، عن مخالفات جسيمة تمثلت في نشر مزاعم قطعية تخالف الثابت الإكلينيكي، أو تقلل من شأن المخاطر الحقيقية، أو تدفع المرضى إلى ترك العلاج، أو تُشيع التشكيك في أدوات القياس المعيارية التي يعتمد عليها التشخيص والمتابعة، بما يعد - بحسب أثره المتوقع- تعريضًا للصحة العامة لخطر جسيم.
وقسمت الحيثيات الرد العلمي إلى محاور رئيسية هي داء السكري وادعاءات تهوين فرط سكر الدم والتشكيك في الهيموغلوبين السكري التراكمي، وزراعة الكلى وادعاء عدم الحاجة إلى مثبطات المناعة، والسرطان وادعاءات "التجويع يعالج" و"العلاج الكيميائي يدمر الحياة"، باعتبارها أبرز القضايا التي تناولها الطبيب الراحل بطرح أثار جدلا واسعا، فضلا عما يعرف بنظام الطيبات.
وأكدت الحيثيات أن فرط سكر الدم الشديد قد يفضي إلى أزمات إسعافية مهددة للحياة والادعاء بأنه لا يضر يصطدم بثابت طبي قطعي مستقر.
كما أشارت إلى أن الادعاء بأن "الذي يضر هو الإنسولين" يعكس قلبا مضللا لمعادلة الفهم العلاجي، والدعوة لإيقاف علاج داء السكري والتوجيه المتعمد لتناول السكريات والعصائر يعرض المريض لمضاعفات حادة ومزمنة على حد سواء.
وأكدت أنه قد تضمن ما صدر عن المشكو في حقه خلطا بين مفاهيم فسيولوجية أساسية، ما قاده إلى استنتاجات خاطئة بأن «الجسم يحتاج إلى كميات كبيرة من السكر وأن الامتناع عنه يسبب أضرارا جسيمة»، واعتبرت الحيثيات أن هذا الطرح يمثل تضليلا علميا وتحريضا على مخالفة الإرشادات الطبية المعتمدة، بما يشكل خطرا خاصا على مرضى السكري.
كما أشارت إلى أن نجاح زراعة الكلى يقوم على توازن دقيق بين المناعة والدواء والمتابعة المنتظمة، وأن أي خطاب يُهون من ضرورة مثبطات المناعة أو يختزل التقييم في وسيلة تصويرية واحدة يمثل انحرافا عن مقتضيات الممارسة الطبية المبنية على الدليل، ويعرض فئة بالغة الحساسية من المرضى لمخاطر لا يستهان بها.
وشددت الحيثيات على أن اختزال علاج السرطان في مفاهيم مثل «التجويع يعالج» أو «الكيميائي يدمر الحياة» أو «الصيام علاج» يمثل تبسيطا مخلا لمرض شديد التعقيد، ويتجاهل البنية المتعددة الأبعاد للقرارات العلاجية في علم الأورام، والخلط بين فرضيات بحثية محدودة وبين توصيات علاجية عامة، حين يُقدَّم للجمهور في صورة يقين قاطع، لا يظل مجرد رأي، بل قد يتحول إلى سلوك علاجي يعرض المرضى لخطر تأخير العلاج وفقدان فرص الشفاء أو السيطرة على المرض.
وإلى نص الحيثيات:
المحور الأول: داء السكري وادعاءات تهوين فرط سكر الدم والتشكيك في الهيموغلوبين السكري التراكمي:
ردت الهيئة التأديبية في حيثياتها، على ادعاء الطبيب بأن «ارتفاع سكر الدم مهما ارتفع لا يضر»، موضحة أن هذا الحديث يصطدم بثابت طبي قطعي مستقر في جميع الإرشادات الإكلينيكية المعتمدة؛ إذ إن فرط سكر الدم الشديد قد يفضي إلى أزمات إسعافية مهدِّ'دة للحياة، أبرزها الحماض الكيتوني السكري، ومتلازمة فرط الأسمولية، وهما حالتان موصوفتان بوضوح على أنهما مضاعفتان حادتان تستلزمان تدخلًا عاجلًا.
كما أن فرط سكر الدم المزمن يرتبط ارتباطًا سببيًا موثقًا بمضاعفات وعائية دقيقة وكبيرة تشمل اعتلال الشبكية، واعتلال الكلى، واعتلال الأعصاب، وتسارع أمراض القلب والشرايين، وعليه فإن القول بعدم ضرر الارتفاع "مهما بلغ" لا يمثل خطأً نظريًا فحسب، بل يترجم عمليًا إلى رسالة قد تدفع المريض إلى الاستهانة بأعراض خطيرة أو تأخير طلب الرعاية الطارئة، بما يرفع احتمالات الوفاة أو العجز.
وردت الحيثيات أيضا على الزعم بأن الإنسولين هو سبب الضرر، مؤكدة أن هذا الطرح يعكس قلبًا مضللا، لمعادلة الفهم العلاجي؛ فالإنسولين ليس سبب الضرر، بل هو في حالات عديدة حجر الزاوية في العلاج القياسي، ويدخل ضمن بروتوكولات التعامل مع أزمات فرط سكر الدم نفسها، إذ إن تلك الأزمات ترتبط جوهريًا بنقص الإنسولين أو عدم كفايته الوظيفية.
وأوضحت أنه قد يترتب على الإنسولين خطر هبوط سكر الدم، غير أن هذا الخطر معروف وقابل للإدارة بالمتابعة الدقيقة وضبط الجرعات والتثقيف الصحي، ولا يُسوغ منطقيًا أو علميًا التحريض على ترك العلاج أو تصويره كخطر أعظم من المرض ذاته، فتضخيم خطر "مُدار" لتبرير ترك خطر "مُثبت ومحقق" يمثل خللًا جوهريًا في ميزان المخاطر والفوائد.
كما فندت الحيثيات ادعاء الطبيب المذكور بأن "لا معنى لأن يكون سكر الدم طبيعيًا بينما يكون الهيموغلوبين السكري التراكمي مرتفعًا"، موضحة أن ذلك يدحض النظريات الحديثة؛ فالحقيقة العلمية أن قياس سكر الدم اللحظي - سواء كان صائمًا أو عشوائيًا- يمثل قراءة آنية تعكس لحظة زمنية محددة، بينما الهيموغلوبين السكري التراكمي يعكس متوسط التعرض للجلوكوز على مدى يقارب شهرين إلى ثلاثة أشهر.
ومن ثم فقد يكون مستوى السكر طبيعيًا في وقت القياس بينما يكون المتوسط التراكمي مرتفعًا نتيجة ارتفاعات متكررة بعد الوجبات أو تذبذب سابق في الضبط أو تحسن حديث لم ينعكس بعد على المؤشر طويل المدى.
كما لفتت إلى ما أثاره المذكور سابقا من خلطٍ وتضليل علمي بين آلية دخول الجلوكوز إلى الخلايا عبر تأثير الإنسولين، وبين ارتباط الجلوكوز بالهيموجلوبين داخل كريات الدم الحمراء، مشيرة إلى أن البيان العلمي يقتضي التفريق الدقيق بين عمليتين فيسيولوجيتين مختلفتين تمامًا في الطبيعة والغاية والآلية.
وتتفاقم الخطورة وفق الحيثيات حين يُستكمل هذا الطرح بالدعوة إلى إيقاف علاج داء السكري، مع الإيحاء بإمكانية، بل والتوجيه المتعمد لتناول السكريات والعصائر ومنها عصير القصب دون حرج، ذلك أن داء السكري ليس ناتجًا عن نقص سكر الدم، بل عن خلل في إفراز الإنسولين أو مقاومته؛ ومن ثم فإن إيقاف العلاج - حتى في غياب أعراض فورية- يعرض المريض لمضاعفات حادة ومزمنة على حد سواء.
أما العصائر التي سماها الطبيب في كل فيديوهاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها عصير القصب، فتحمل جميعها حملًا سكريًا مرتفعًا للغاية، وعصير القصب يحتوي في معظمه على السكروز الذي يتحلل سريعًا إلى جلوكوز وفركتوز، مؤديًا إلى ارتفاع حاد في سكر الدم وإجهاد إضافي للبنكرياس، دون أن يحقق أي تحسن في مقاومة الإنسولين أو مسار المرض.
وتضمنت التوصيات الطبية المعتمدة واضحة في هذا الشأن لا يجوز إيقاف علاج السكري دون إشراف طبي متخصص، وضبط المرض يعتمد على الالتزام بالعلاج الدوائي عند الحاجة إلى جانب تعديل نمط الحياة، لا على استبدال العلاج بسكريات توصف بأنها "طبيعية".
كما أثار المذكور، خلطا وتضليلا علميا حين قرر بلا سند أو دليل علمي سليم، أن هرمونات مثل الأدرينالين، والجلوكاجون، والكورتيزول، وهرمون النمو، قد سبب السكري، في محاولة لإزاحة مركزية دور الإنسولين، والحقيقة الفسيولوجية أن هذه الهرمونات تُصنف ضمن هرمونات الشدة، وهي بطبيعتها رافعة لسكر الدم في سياقات حادة ومؤقتة، ويقوم الإنسولين الطبيعي بكبح تأثيرها وإعادة التوازن الاستقلابي.
إن وجود عوامل رافعة لسكر الدم لا يعني بذاته تشخيص داء السكري؛ فالمرض يُشخَّص عند غياب القدرة الكافية على الضبط بسبب نقص.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
