أدى الارتفاع الكبير في أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة إلى تغذية موجة جديدة من التعدين في غابات الأمازون المطيرة في البرازيل، ما تسبب في تسارع إزالة الغابات داخل المناطق المحمية ورفع مستويات التلوث بالزئبق إلى معدلات خطيرة، بحسب مسؤولين وخبراء.
وكشفت دراسة حديثة عن أن مواقع التعدين غير القانونية دفعت إلى إزالة الغابات بالكامل داخل 3 مناطق محمية في إقليم شينجو، أحد أكبر الامتدادات العالمية للغابات المحمية، والذي يمتد عبر ولايتي بارا وماتو جروسو. وفق شبكة "بي بي إس" الأمريكية.
وأُعدت الدراسة من قبل منظمة "حماية الأمازون" غير الحكومية، بالشراكة مع مؤسسة "سوسيوأمبيانتال" البرازيلية غير الربحية، واعتمدت على صور الأقمار الصناعية والأبحاث الميدانية.
وسجلت محطة تيرا دو مايو البيئية أولى حالات التعدين غير القانوني في سبتمبر 2024، وبحلول نهاية 2025، توسعت إزالة الغابات المرتبطة بالتعدين هناك إلى 30 هكتارًا.
وفي غابة ألتاميرا الوطنية، تسبب التعدين غير القانوني في إزالة 832 هكتارًا من الغابات بين 2016 وسبتمبر 2025، كما توسعت جبهة تعدين جديدة افتُتحت في 2024 إلى 36 هكتارًا بحلول أكتوبر 2025، ما يمثل نحو نصف إزالة الغابات المرتبطة بالتعدين داخل المنطقة خلال ذلك العام.
كما رصدت الأقمار الصناعية العام الماضي مدرجًا جويًا سريًا يستخدمه عمال التعدين غير القانونيين داخل محمية "ناسينتيس دا سيرا دو كاشيمبو" البيولوجية، وارتفع التعدين غير القانوني داخل المحمية من 2 هكتار إلى ما لا يقل عن 26.8 هكتارًا في 2025.
وفي 2023، تعاونت منظمة "حماية الأمازون" مع "إيرث جينوم" ومركز "بوليتزر" لإطلاق منصة "أمازون مايننج ووتش" لمراقبة نشاط التعدين، وتستخدم صور الأقمار الصناعية لتتبع التعدين في منطقة الأمازون منذ 2018.
ووفقًا للمنصة، جرى إزالة نحو 496 ألف هكتار من الغابات المطيرة بسبب التعدين منذ ذلك الحين، بينها نحو 223 ألف هكتار داخل الأمازون البرازيلية، وتقدر المنظمة أن 80% من إزالة الغابات المرتبطة بالتعدين في البرازيل تحمل مخاطر مرتفعة لكونها غير قانونية.
ورغم أن التعدين لا يزال عاملًا أقل تأثيرًا نسبيًا في إزالة الغابات مقارنة بالتوسع الزراعي، فإن البيانات الرسمية أظهرت إزالة نحو 579,600 هكتار من غابات الأمازون البرازيلية في 2025، بينها نحو 17 ألف هكتار مرتبطة بالتعدين، وفقًا لبيانات منصة "أمازون مايننج ووتش".
وقال مات فاينر، مدير برنامج مراقبة الأنديز والأمازون في منظمة حماية الأمازون: "ما يجعل التعدين مشكلة خطيرة بشكل خاص هو أنه يستهدف المناطق المحمية وأراضي السكان الأصليين".
ويُنظر إلى حماية أراضي السكان الأصليين باعتبارها وسيلة فعالة للحد من إزالة الغابات في الأمازون، أكبر غابة مطيرة في العالم وأحد أهم المنظمين للمناخ العالمي، ويحذر الباحثون من أن استمرار فقدان الغابات قد يسرع من ظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي 2023، أطلقت السلطات البرازيلية حملة واسعة ضد التعدين غير القانوني عن الذهب داخل أراضي يانومامي للسكان الأصليين في ولاية رورايما على الحدود مع فنزويلا، بعدما أدى التوسع في التعدين إلى أزمة إنسانية وصحية.
وأظهرت بيانات منظمة حماية الأمازون أن النمو السنوي للمناطق الجديدة المستغلة بالتعدين تراجع بشكل حاد بعد ذلك العام، ورغم عدم القضاء بالكامل على التعدين، فإن معظم إزالة الغابات داخل أراضي يانومامي، والتي بلغت نحو 5,500 هكتار، حدثت بحلول 2023.
لكن إجراءات الملاحقة المحلية لم تنجح في كبح التعدين غير القانوني في أنحاء الأمازون؛ فعندما تدمر السلطات الحفارات والمعدات في منطقة معينة، ينتقل المعدنون إلى مناطق أخرى أو يستأنفون نشاطهم بمجرد مغادرة المسؤولين.
ووصف المدعي الفيدرالي البرازيلي أندريه لويز بوريكا، الذي يحقق في قضايا التعدين غير القانوني غرب الأمازون البرازيلية، عمليات الملاحقة بأنها "لعبة قط وفأر"، قائلًا: "في العام الماضي شاركت في عملية دُمرت خلالها أكثر من 500 حفارة داخل أرض تابعة للسكان الأصليين. وفي الأسبوع التالي أطلعني السكان الأصليون على صور تثبت أن المعدنين عادوا بالفعل".
وأضاف بوريكا أن التعدين غير القانوني عن الذهب يتم تمويله من قبل أكبر المنظمات الإجرامية في البرازيل، بما في ذلك جماعة ريد كوماند وجماعة فيرست كابيتال كوماند المعروفة اختصارًا باسم بي سي سي، والتي تنشط في نحو ثلث مدن الأمازون البرازيلية، مشيرة إلى أنهم "لديهم الأموال الكافية لتمويل هذه العمليات. بعض الحفارات تصل قيمتها إلى 15 مليون ريال برازيلي".
ورغم أن حملات الملاحقة خففت الضغوط داخل أراضي يانومامي، فإن التعدين غير القانوني تصاعد في مناطق أخرى، خاصة داخل أراضي السكان الأصليين في حوض نهر شينجو.
وتُعد أراضي كايابو للسكان الأصليين الأكثر تضررًا، بعدما جرى إزالة نحو 7,940 هكتارًا من الغابات المطيرة بسبب التعدين غير القانوني، وهو أكبر نطاق من هذا النوع داخل الأمازون البرازيلية.
وأدى الارتفاع القياسي في أسعار الذهب في أواخر 2025، المدفوع بشكل أساسي بإقبال المستثمرين على الأصول الآمنة وسط تصاعد المخاطر العالمية، إلى تعزيز حوافز التعدين غير القانوني.
وقال أندريه لويز بوريكا: "إنها ببساطة منطق السوق؟. مع زيادة عدد المشترين، يزداد عدد الأشخاص الذين يستغلون الذهب"، مضيفًا أن نظام الرقابة على صادرات المعادن في البرازيل لا يزال ضعيفًا، ما يسمح بعمليات غسل تمنح الذهب غير القانوني مظهرًا قانونيًا.
ولا تقتصر الأضرار البيئية على إزالة الغابات، إذ تقوم عمليات التعدين غير القانونية بإلقاء الزئبق في الأنهار، ما يؤدي إلى تلوث المجاري المائية وتراكم الزئبق في الأسماك التي تستهلكها المجتمعات النهرية والسكان الأصليون.
وفي أبريل، قدم بوريكا تقريرًا إلى لجنة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان وصف فيه انتشار التلوث بالزئبق في الأمازون، واستند التقرير إلى دراسة أجرتها مؤسسة "فيوكروز" البحثية الحكومية، أظهرت أن 21.3% من الأسماك المباعة في الأسواق العامة عبر الأمازون تجاوزت الحدود المسموح بها من الزئبق وفق معايير منظمة الصحة العالمية، كما أظهرت الدراسة أن الأطفال بين عمر عامين و4 أعوام يستهلكون الزئبق بمستويات تصل إلى 31 ضعف الحد الأقصى الموصى به.
وبموجب القانون البرازيلي، يُحظر التعدين داخل أراضي السكان الأصليين، وقالت وزارة الشعوب الأصلية البرازيلية في بيان إن مكافحة التعدين غير القانوني داخل أراضي السكان الأصليين تمثل أولوية لإدارة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، مضيفة أن اقتحامات التعدين تُدار عبر شبكات إجرامية، وأن مواجهتها تتطلب تفكيك السلاسل الاقتصادية واللوجستية التي تدعمها.
من جانبها، قالت وزارة البيئة إن التلوث بالزئبق الناتج عن التعدين غير القانوني عن الذهب لا يزال يمثل مشكلة مستمرة في الأمازون، مضيفة أنها توسع برامج المراقبة العلمية بالتوازي مع دعم جهود الملاحقة.
هذا المحتوى مقدم من مستقبل وطن نيوز
