تخيَّل نفسك حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري

«تخيَّل نفسك حسن عبدالله، محافظ البنك المركزى المصرى.. لا تدير بنكًا مركزيًا فى دولة مستقرة تملك فوائض نفطية ضخمة أو احتياطيات نقدية مفتوحة أو اقتصادًا معزولًا عن الصدمات.. وإنما تدير السياسة النقدية لدولة بحجم مصر؛ دولة تمتلك وزنًا سياسيًا وإقليميًا هائلًا، لكنها فى الوقت نفسه تواجه ضغوطًا مركبة تتعلق بالدين، والدولار، والطاقة، والاستيراد، والنمو، والاستقرار الاجتماعى، وسط واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية اضطرابًا فى العالم»..

تصل إلى مكتبك بينما العالم كله تقريبًا يتحرك ضد فكرة الاستقرار نفسها.. أسعار النفط تتحرك بعنف.. العائد على السندات الأمريكية يرتفع وينخفض بسرعة.. الذهب يقفز مع كل توتر سياسى، والبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحى، بل نقطة ضغط مباشرة على التجارة العالمية.. شركات الشحن رفعت تكاليف التأمين والمستثمرون أصبحوا أكثر حساسية تجاه المخاطر، والدولار عاد ليصبح الملاذ الأول عالميًا مع كل تصعيد سياسى أو عسكرى..

فى هذه اللحظة، أنت لا تسأل السؤال التقليدى الذى يطرحه أى محافظ بنك مركزى فى اقتصاد مستقر: كيف نحفّز النمو؟

بل تسأل سؤالًا أكثر خطورة وتعقيدًا: كيف نحافظ على توازن الاقتصاد دون أن يفقد تماسكه النفسى والنقدى والمالى؟.. لأن ما يديره البنك المركزى المصرى اليوم لم يعد مجرد سياسة نقدية بالمعنى التقليدى، بل إدارة حالة استقرار كاملة لدولة تتحرك داخل منطقة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.

قبل سنوات، كانت معادلة البنك المركزى المصرى أكثر وضوحًا تتمثل فى السيطرة على التضخم، والحفاظ على استقرار العملة، ودعم النشاط الاقتصادى، وإتاحة بيئة تسمح بجذب الاستثمار وتحسين النمو تدريجيًا.

ورغم صعوبة هذه المعادلة حتى فى الظروف الطبيعية، فإن البنك المركزى استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يتحرك فى اتجاه واضح؛ امتصاص موجات التضخم العنيفة، وإعادة ضبط سوق الصرف، وتشديد السياسة النقدية، ورفع أسعار الفائدة بصورة كبيرة بهدف إعادة بناء الثقة ومنع انفلات السوق.

ومع الوقت، بدأت تظهر داخل دوائر السياسة النقدية ملامح مرحلة جديدة قد تسمح بهبوط تدريجى ومدروس فى أسعار الفائدة بعد أن بدأت معدلات التضخم تتباطأ نسبيًا، وبعد أن نجح البنك المركزى بدرجة كبيرة فى إعادة فرض حالة من الانضباط النقدى ومنع الانفلات الكامل فى السوق.

كان هناك تصور أن الاقتصاد المصرى قد يقترب من مرحلة الهبوط الهادئ .. أى الانتقال التدريجى من سياسة التشديد النقدى العنيف إلى سياسة أكثر مرونة تسمح بتنشيط الاستثمار وتقليل تكلفة التمويل وتحريك عجلة الصناعة والإنتاج بصورة أوسع.

لكن فجأة... تغيّرت المنطقة كلها- الحرب فى غزة، التصعيدات الإيرانية، اضطرابات البحر الأحمر، التهديدات المتزايدة للملاحة الدولية، وعودة الشرق الأوسط إلى قلب المخاطر العالمية- كلها عوامل قلبت معادلة البنك المركزى المصرى رأسًا على عقب، إذ إن المشكلة لم تعد مجرد تضخم محلى يمكن احتواؤه عبر رفع الفائدة أو امتصاص السيولة، بل أصبحت أزمة بيئة كاملة تتغير مدخلاتها بصورة يومية.

فأسعار الطاقة أصبحت قابلة للقفز فى أى لحظة والملاحة الدولية أضحت تحت الضغط، إيرادات قناة السويس تعرضت لتراجع وضغوط مباشرة، تكلفة الشحن ارتفعت عالميًا، حركة رؤوس الأموال أصبحت أكثر توترًا، والمستثمر الأجنبى بات أكثر حذرًا تجاه أى اقتصاد ناشئ يعتمد على التدفقات النقدية الخارجية.

وهنا أدرك البنك المركزى أن المعادلة القديمة لم تعد كافية وحدها.. لأن الدولة التى تمتلك فوائض نقدية ضخمة أو موارد تصديرية هائلة تستطيع أن تتحمل جزءًا من الصدمات العالمية لفترات طويلة، أما الدولة التى تتحرك تحت ضغوط دين مرتفعة، واحتياجات تمويلية مستمرة، وفجوة دولارية حساسة، فإن أى اضطراب عالمى يتحول فورًا إلى ضغط داخلى.

وهنا يظهر الفارق الحقيقى فى طريقة تفكير حسن عبدالله.. الرجل لا يدير الأزمة بعقلية مصرفى تقليدى ينظر فقط إلى التضخم والفائدة، بل بعقلية شخص قضى سنوات طويلة داخل أسواق النقد الأجنبى والسيولة والاحتياطيات والتعامل مع المؤسسات والأسواق المالية العالمية، وهذه الخلفية ليست تفصيلًا هامشيًا، بل جزء أساسى من تفسير طريقة الإدارة الحالية.

فإدارة الاقتصاد المصرى اليوم لا تحتاج فقط إلى اقتصادى أكاديمى يفهم النظريات، بل إلى شخص يفهم كيف تتحرك الأسواق وقت الخوف، وكيف تتصرف الأموال عندما تشعر بالخطر، وكيف يمكن احتواء الذعر قبل أن يتحول إلى أزمة حقيقية.

فالأسواق الحديثة لا تتحرك دائمًا بالمنطق الاقتصادى البحت..أحيانًا تتحرك بالتوقعات..أحيانًا بالخوف.. أحيانًا بالشائعات، وأحيانًا بالإشارات النفسية أكثر من الأرقام نفسها.

ولهذا، فإن جزءًا ضخمًا مما يديره البنك المركزى المصرى اليوم ليس الاقتصاد فقط... بل الحالة النفسية للاقتصاد.. كيف يشعر المودع؟ هل ما زال يرى البنوك مكانًا آمنًا لمدخراته؟ هل يشعر المستثمر أن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها؟ هل السوق ما زالت مقتنعة بأن الجنيه يتحرك داخل نطاق يمكن السيطرة عليه؟ هل ما زال هناك شعور عام بأن البنك المركزى ممسك بالإيقاع العام للاقتصاد؟

هذه الأسئلة أخطر أحيانًا من أرقام التضخم نفسها.. لأن أخطر لحظة يمكن أن تواجه أى دولة ليست فقط لحظة ارتفاع الأسعار، بل لحظة اهتزاز الثقة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 19 ساعة
بوابة الأهرام منذ 20 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات
بوابة الأهرام منذ 12 ساعة
بوابة الأهرام منذ 18 ساعة
بوابة أخبار اليوم منذ 15 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 13 ساعة