انشغلت الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة بموضوع الخبز وقيمته ووزنه دون أن تحدد مكوناته وفائدته أو أضراره الصحية، والويل كل الويل لمن تسول له نفسه المس بـ قدسية تعريفته المقننة لضمان تغذية البطون الجائعة ولو بخبز حافي يكلف الخزينة مليارات الدراهم سنويا؛ هذا الانشغال الموروث من حقبة زمنية كان فيها الدقيق شبه منعدم وفي بعض الأحيان يتطلب الحصول عليه إجراءات معينة، في تلك الفترة من سبعينات القرن الماضي طبق قانون دعم هذه المادة الضرورية لجعلها متاحة للمواطنين، ولا نعتقد أن ظروف تلك الحقبة بعد حوالي 55 سنة من التطبيق، لا تزال قائمة، ونستغرب إحجام الفعاليات المهتمة بهذا الخبز الحافي وملياراته الثقيلة، عن إعادة التفكير في جدواه ونحن في عصر آخر لم يعد الجوع يقتل، بل ومنذ عقد من الزمن وفي ظل النهضة الطبية، انكشفت أمراض لم يكن اكتشافها بالأمر الهين، مما زاد الطلب على الأدوية التي أصبحت اليوم تحتل الصدارة في نفقات الرباطيين بفارق شاسع، ومن غريب الصدف أن الأطباء ينهون عن تناول الخبز الحافي لأضراره ويلحون على الالتزام بالعلاج في أوقاته طيلة النهار وجزء من الليل، وإلا فالعاقبة تنتظرهم.
هذا الجحيم اليومي يعاني جل الرباطيين من ويلاته، حتى تحولت تغذيتهم إلى حقن وتلقيح وأقراص وشراب دوائي وكبسولات ومكملات غذائية وغيرها، وهذه هي التغذية الجديدة للرباطيين، مفروضة على الكبار والصغار، ويصلى بنيران أثمنتها كل المواطنين بعد فرض اقتنائها بوصفة طبية إجبارية بعد أداء أتعاب الطبيب، واليوم، وبعد تفشي الأمراض، لم يعد الخبز هو المهم، ولكن الدواء الذي صار في خانة التجارة المربحة بحماية لوبيات الأدوية وصمت الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة، المنشغلين باحتكار حق علاج الناس، بخنقهم من خلال الغلاء الفاحش للأدوية دون أي اعتبار لصحة ولجيوب المواطنين.
فالعلاج أصبح تجارة لمن يدفع أكثر، بعدما تم الانقلاب على حق الوصول إلى هذا العلاج الذي أقره دستور المملكة في الفصل 31 ونص عليه قانون الجماعة في مادته 83.
وقد تابع الرباطيون باهتمام إسناد مأمورية الصحة في المدة الأخيرة لشخصيات عسكرية، ربما تكون بداية لإنقاذ المجال الصحي مما آل إليه من تشويه في رسالته الإنسانية.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
