دخلت البنوك المصرية، مع نهاية أبريل الماضي، اختباراً لقياس قدرتها على الاحتفاظ بالسيولة داخل الجهاز المصرفي، بعد انتهاء استحقاقات الشهادات ذات العائد (27%)، والمقدر حصيلة الاكتتاب فيها بما يتراوح بين 1.3 و1.5 تريليون جنيه.
وبينما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تسرب حصة من السيولة إلى خارج القطاع المصرفي في ظل تراجع الفائدة على الشهادات الجديدة، فرضت الحرب الإيرانية، التي اندلعت نهاية فبراير الماضي، واقعاً مختلفاً على الأوعية الاستثمارية البديلة، مثل الذهب والعقار، وغيّرت اتجاهات المدخرين نحو البدائل الأقل مخاطرة ذات العائد الثابت.
وقال محللون وخبراء تحدثوا مع «إرم بزنس»، إن البنوك المصرية سارعت بتبني سياسات مرنة للمحافظة على سيولة الشهادات، من بينها رفع العائد على الشهادات «الثلاثية» رغم ثبات سعر الفائدة الرئيسية، وتقديم منتجات ادخارية أكثر جاذبية.
وفق المحللون، بادرت البنوك المحلية الكبرى برفع العائد على شهادات الادخار الثلاثية (آجل 3 سنوات) بنسبة 1.25% لتصبح 17.25%، بعد أيام قليلة من انتهاء استحقاقات الشهادات البنكية مرتفعة العائد.
وتأتي قرارت البنوك المصرية برفع عوائد الشهادات البنكية، رغم قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض عند 19% و20% على التوالي، في آخر اجتماعات لجنة السياسة النقدية مطلع أبريل الماضي.
«المركزي المصري» يرجح ارتفاع التضخم إلى 17% خلال 2026
منتجات جديدة للحفاظ على السيولة
من جانبها اعتبرت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي، تحرك البنوك المصرية لرفع العائد على الشهادات الادخارية، جزء من استراتيجية مدروسة للحفاظ على السيولة الناتجة عن استحقاق الشهادات مرتفعة العائد، واستيعاب جزء كبير منها داخل الجهاز المصرفي بدلاً من خروجها إلى أوعية استثمارية بديلة.
وأوضحت الدماطي، لـ«إرم بزنس»، أن تثبيت أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي المصري في أبريل الماضي لا يعني بالضرورة ثبات العوائد على المنتجات المصرفية، إذ تمتلك البنوك مساحة للتحرك داخل هذا النطاق لجذب المدخرات.
وأضافت أن البنوك واجهت موجة استحقاقات كبيرة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، وهو ما دفعها إلى طرح منتجات بعوائد أعلى لاستيعاب هذه الأموال في أدوات مماثلة.
ورأت الدماطي أن هذه الخطوة ساهمت بالفعل في احتواء جزء كبير من السيولة خلال الفترة الماضية، وحدت من تسربها لبدائل استثمارية تحقق عوائد أعلى.
وأشارت إلى أن قرارات رفع العائد على الشهادات داخل البنوك لا تتم بشكل عشوائي، بل تخضع لدراسات دقيقة داخل لجان إدارة الأصول والخصوم بالبنوك (الأليكو)، والتي توازن بين تكلفة الأموال والعائد المتوقع من توظيفها.
وأوضحت أن البنوك لا تقدم عوائد مرتفعة إلا في حال توافر فرص استثمارية تتيح لها تحقيق هامش ربح مناسب دون التعرض لخسائر.
وأشارت إلى أن الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار في مصر خلال الفترة الماضية عززا مطالب العملاء بالحصول على عوائد أعلى، ما دفع البنوك إلى إعادة تسعير بعض منتجاتها الادخارية بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية.
مقر البنك المركزي المصري في العاصمة الإدارية الجديدة، القاهرة، يوم 6 أغسطس 2024.
مزايا تسويقية لجذب العملاء
بدوره، قال خبير الاقتصاد وأسواق المال مصطفى شفيع، إن البنوك المصرية سعت إلى الحفاظ على جزء كبير من السيولة عبر طرح أدوات ادخارية جديدة، ورفع العائد على بعض الشهادات، إلى جانب تقديم مزايا تسويقية مبتكرة لجذب العملاء.
وأوضح شفيع، لـ«إرم بزنس»، أن بعض البنوك، بما في ذلك بنوك القطاع الخاص، اتجهت إلى طرح منتجات غير تقليدية، مثل شهادات مرتبطة بسحوبات على الذهب، وهو الأمر الذي عزز من جاذبية الادخار لدى شريحة من العملاء، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الذهب محلياً.
تداعيات الحرب ترفع جاذبية الشهادات
إلى ذلك، أشارت الدماطي إلى أن حالة عدم الاستقرار الناتجة عن التوترات الجيوسياسية بعد الحرب الإيرانية ساهمت في تعزيز جاذبية أدوات الدخل الثابت أمام الذهب والعقارات والأسهم.
ورأت الدماطي أن شريحة كبيرة من العملاء باتت تفضّل السيولة والأدوات الأقل مخاطرة في ظل تنامي حالة عدم اليقين.
واعتبرت الدماطي أن التغيرات الحادة في أسعار الذهب وتقلبات الأسواق المالية دفعت بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في توجهاتهم، والعودة جزئياً إلى الشهادات والودائع البنكية كملاذ أكثر استقراراً، خاصة مع ارتفاع العوائد عليها.
وقالت إن المرحلة الحالية تشهد اتجاهاً متزايداً للعملاء نحو تحقيق التوازن بين الحفاظ على قيمة المدخرات ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما دعّم استمرار جاذبية الشهادات البنكية كأحد أهم أوعية الادخار في السوق المصري.
وأضافت: قبل بداية الحرب كان الذهب هو الوعاء الاستثماري الأكثر جاذبية للمستثمرين، ثم العقارات وأدوات الدين الحكومية والأسهم فيما تأتي الشهادات في مرتبة متأخرة، لكن الوقت الحالي تفوقت الأوعية الادخارية على جميع البدائل بشكل مؤقت.
مع بدء استحقاقات تريليونية.. أين تتجه سيولة شهادات الادخار في مصر؟
أوعية بديلة تسحب جزءاً من السيولة
من جهته، أشار شفيع إلى أن جزءاً من سيولة الشهادات مرتفعة العائد اتجه إلى بدائل استثمارية أخرى، خاصة الذهب والعقار، حيث شهد المعدن الأصفر إقبالاً قوياً مدفوعاً بتوقعات استمرار ارتفاع الأسعار، بينما يظل الاستثمار العقاري خياراً قائماً طوال الوقت.
ورأى شفيع أن أسواق المال وصناديق الاستثمار استحوذت على نصيب محدود من هذه السيولة، في ظل عزوف نسبي من جانب بعض الأفراد عنها بسبب ارتفاع درجة المخاطر أو ضعف الوعي الاستثماري.
واعتبر شفيع أن البنوك نجحت جزئياً في الحفاظ على السيولة عبر زيادة العائد، لكن بشكل عام استحوذت قنوات استثمارية أخرى، خاصة أدوات الدين الحكومية، والعقار، والذهب، والبورصة، على حصة من السيولة الضخمة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

