ليست الدورية الوزارية رقم 122 الصادرة سنة 1999 مجرد وثيقة إدارية قديمة نفض عنها الغبار باحث أو مهني مهتم بتاريخ القطاع، بل هي في الحقيقة واحدة من آخر اللحظات التي حاولت فيها السلطة التنظيمية أن تكتب تصوراً كاملاً لمعنى أن تكون سيارة الأجرة مرفقاً عمومياً، لا مجرد مركبة تجوب الشوارع بحثاً عن لقمة العيش. كانت لحظة أرادت فيها الإدارة أن تصنع صورة للسائق، وللمحطة، وللمركبة، وللمدينة نفسها، ولذلك جاءت تلك الدورية طويلة، دقيقة، متشعبة، تتحدث عن الهندام كما تتحدث عن العداد، وعن السلوك كما تتحدث عن المحطات، وعن الأخلاق كما تتحدث عن العقوبات، لأنها لم تكن تنظم آلة ميكانيكية، بل كانت تحاول تنظيم علاقة يومية شديدة الحساسية بين المواطن والدولة، إذ لا يوجد فاعل داخل المرفق العمومي يحتك بالمجتمع يومياً مثل سائق سيارة الأجرة، ولا يوجد مرفق تختلط فيه السلطة بالفوضى، والحق بالإهانة، والخدمة بالرزق، كما يختلط داخل هذا القطاع الذي ظل لعقود يعيش بين صورتين: صورة الإدارة على الورق، وصورة الواقع في الشارع.
لقد فهمت وزارة الداخلية آنذاك شيئاً عميقاً ربما ضاع اليوم وسط الضجيج؛ فهمت أن النقل ليس حركة فقط، بل ثقة، وأن رخصة الثقة لم تُسم بهذا الاسم عبثاً، لأنها كانت تعني، في فلسفة النص، أن الدولة لا تمنحك فقط حق السياقة، بل تمنحك جزءاً من هيبتها داخل الفضاء العام، ولذلك اشترطت السجل العدلي، والإقامة، والاختبار، والهندام، والتنقيط، والسلوك، وكأنها كانت تقول إن السائق ليس مجرد ناقل للركاب، بل حامل لصورة المدينة نفسها، لكن المأساة بدأت حين توقف النص عند حدود الورق، وحين تُركت الفكرة تموت ببطء داخل محطات يغلب عليها الانتظار أكثر مما يغلب عليها التنظيم، لأن الإدارة التي تحدثت عن المرفق العمومي لم تحسم جذرياً في أخطر سؤال داخل القطاع: من يملك فعلاً سلطة الاستغلال؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي للفوضى؟ ومن يتحمل عبء هذا التناقض المزمن بين الامتياز و العمل ؟
فالدورية تحدثت عن السائق كثيراً، راقبته، نقطته، هددته بالسحب والعقوبات، طلبت منه النظافة والانضباط والابتسامة والالتزام، لكنها، في المقابل، لم تستطع أن تنهي ذلك الالتباس التاريخي الذي جعل آلاف المهنيين يعيشون داخل وضع هجين؛ لا هم عمال محميون بقانون واضح، ولا هم مستقلون، بل مجرد أجساد تشتغل يومياً تحت ضغط الكراء، والديون، والمحروقات، والانتظار، والاقتطاعات، والهشاشة، والصمت، ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول جزء من القطاع، مع الوقت، إلى مساحة رمادية تتعايش فيها المهنية مع الريع، والقانون مع الأعراف، والقرارات مع التواطؤ، حتى صار النص التنظيمي شيئاً، والممارسة اليومية شيئاً آخر تماماً.
والمفارقة المؤلمة أن الدورية 122 كانت تملك من الجرأة ما يكفي لتتحدث، منذ سنة 1999، عن جودة الخدمة، وراحة الزبون، والشفافية، وإشهار التعريفة، ومراقبة السلوك، بينما كثير من المدن اليوم، بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت عاجزة حتى عن فرض أبسط ما جاء فيها، وكأن الزمن لم يتحرك إلا في اتجاه المركبات، أما العقليات والتدبير فقد ظلت عالقة في محطة قديمة لا تصلها لا الإصلاحات ولا المحاسبة، بل إن القطاع دخل العصر الرقمي بتطبيقاته وخوارزمياته ومنصاته الذكية، بينما ما زال جزء من التدبير الإداري يتعامل معه بعقلية التسعينيات، بعقلية المحطة المغلقة، والعداد الميكانيكي، والقرارات الترابية الصماء، ولهذا اتسعت الهوة بين النص والواقع حتى أصبح المهني الحقيقي يشعر أحياناً وكأنه آخر من يفكر فيه الجميع.
ولعل أكثر المفارقات إيلاماً أن الدورية 122 نفسها ربطت عدد رخص سيارات الأجرة بالكثافة السكانية، واضعة بذلك تصوراً واضحاً لمبدأ الوفرة داخل المرفق العمومي، غير أن الواقع كشف، مع مرور السنوات، عن جمود إداري جعل النمو الديموغرافي والعمراني لمدن كفاس يتقدم بسرعة أكبر من وتيرة تحيين الرخص. فبينما تجاوز عدد سكان المدينة، وفق الإحصائيات الرسمية الأخيرة، مليون نسمة، ظل عدد سيارات الأجرة بعيداً عن مواكبة هذا التحول، وهو ما خلق خصاصاً بنيوياً انعكس مباشرة على جودة الخدمة، وعلى ظروف اشتغال السائق، وعلى علاقة المواطن بالمرفق العمومي نفسه. وهكذا وجد السائق المهني نفسه، مرة أخرى، في مواجهة غضب الشارع، بينما يكمن أصل الأزمة في اختلال أعمق يتعلق بعدم تفعيل المعايير التنظيمية التي وضعتها الإدارة نفسها منذ أكثر من ربع قرن. لقد توسعت المدينة، وامتدت أحياؤها، وارتفع الضغط اليومي على النقل، لكن منطق التحيين ظل بطيئاً، وكأن الزمن الإداري يتحرك خارج الزمن الحقيقي للمدينة وسكانها.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا لم يعد مطلب الترخيص للسائق المهني وفق دفتر تحملات واضح مجرد مطلب فئوي ضيق، بل أصبح جزءاً من النقاش الحقيقي حول العدالة التنظيمية داخل القطاع، لأن استمرار حصر المأذونيات داخل دائرة ضيقة، مع الإبقاء على خصاص واضح في العرض، لم يؤد فقط إلى إنهاك السائق والمواطن، بل ساهم أيضاً في تكريس اقتصاد غير متوازن تتحكم فيه الندرة أكثر مما تحكمه حاجيات المرفق العمومي. ولهذا فإن الحديث عن فتح المجال أمام السائق المهني، في إطار قانوني مضبوط وشفاف، لم يعد يُقرأ باعتباره تهديداً للتوازن، بل باعتباره محاولة لإعادة التوازن المفقود بين حق المواطن في خدمة محترمة، وحق المهني في الولوج العادل إلى المهنة بعيداً عن منطق الريع، والوساطة، والامتيازات المغلقة.
إن أخطر ما وقع لهذا القطاع ليس فقط ضعف التفعيل، بل اعتياد الجميع على ضعف التفعيل، حتى صار الخلل عادياً، وصارت الفوضى جزءاً من المشهد، وصار احترام القانون يبدو وكأنه استثناء يحتاج إلى بطولة، بينما الأصل أن تكون المهنية هي القاعدة. لكن كيف يمكن أن نطلب من سائق أن يحمل صورة الدولة، وهو يشعر أحياناً أن الدولة نفسها غائبة عن حمايته الاجتماعية والمهنية والقانونية؟ وكيف يمكن الحديث عن الجودة في قطاع تُركت فيه العلاقة بين صاحب المأذونية والمستغل معلقة بين نصوص ناقصة، وأعراف متغولة، ومصالح متشابكة؟ وكيف يمكن إقناع المواطن باحترام المرفق، بينما بعض من يتحدثون باسم القطاع حولوه إلى مساحة للسمسرة، والصراعات الصغيرة، والزعامة الفارغة؟
ومع ذلك، ورغم كل هذا الركام، تظل الدورية 122 وثيقة مؤلمة، لأنها تكشف أن الدولة كانت تعرف منذ زمن بعيد أين يوجد الخلل، وكانت تعرف شكل القطاع الذي تريده، لكنها تركت المسافة تكبر بين الحلم والتنزيل، بين النص والجرأة السياسية، بين المراقبة والإصلاح الحقيقي. ولذلك فإن أي حديث جدي اليوم عن إصلاح النقل بواسطة سيارات الأجرة لا يمكن أن يبدأ بالشعارات، ولا بالحروب الصغيرة بين المهنيين، بل يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن هذا القطاع لم يكن يحتاج فقط إلى مزيد من الدوريات، بل كان يحتاج إلى إرادة تحترم الإنسان الذي يدير المقود قبل أن تراقب العداد، وإلى تصور جديد يعتبر السائق المهني شريكاً في المرفق، لا مجرد رقم قابل للعقاب.
لأن الدولة، حين كتبت الدورية 122، كانت تحاول أن تبني مرفقاً عمومياً محترماً، لكن الواقع، بكل تناقضاته، حول جزءاً كبيراً من ذلك الحلم إلى أوراق محفوظة في الرفوف، تُقرأ جيداً، وتُطبق ببطء، وتُنسى بسرعة، بينما يواصل السائق، كل صباح، حمل المدينة فوق كتفيه، بصمت أكبر من أن تسمعه الضوضاء.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
