في قلب ساحة جامع الفناء، بالمدينة الحمراء التي يختلط ليلها بنهارها وتشع على العالم، حيث تختلط رائحة الشواء بصوت الحكواتي، وتتجاور الدهشة مع العادة، انبثق مشهد لم يكن من زمننا، لكنه بدا أكثر حضورًا من كل ما يحيط به. بين حلقة من الناس، رجال بجلابيب تقليدية، ووجوه بملامح من أقطار مختلفة، ونساء يلفعن وجوههن بنصف حجاب، وشابات في مقتبل العمر بألبسة عصرية، وسياح يحملون دهشة العابر، وأطفال يتسللون بين الأرجل كأنهم يبحثون عن حكاية تخصهم، وقف رجل بوقار لا يشبه هذا الزمن، كأنه قادم من عمق التاريخ… إنه سعد بن عبادة، كما قدم نفسه أمام دهشة الحاضرين.
لم يكن حضوره صاخبًا، وإنما كالنور حين يدخل الغرفة دون استئذان. وتحمل عيناه معرفة لم تتآكل، وصوته حين بدأ بالكلام لم يكن خطابًا، بقدرما كان أشبه باعتراف طويل بين الماضي والحاضر.
قال بصوت هادئ لكنه نافذ:
“يا أهل هذا الزمان، إن الدولة التي لا تُبنى على الإنسان، تُبنى على رمل. وإن النسب الشريف ليس في الدم، وإنما في العقل حين ينير، وفي الضمير حين يحاسب، وفي المعرفة حين تتحول إلى مسؤولية.”
فجأة تبادل الحضور النظرات. وتمتم أحد الشيوخ: “هذا كلام لا يُقال هنا، ولكن في الكتب”، لكن شابًا كان يحمل هاتفه ليصور، خفضه ببطء، كأن الكلمات سحبت منه دوره كمجرد شاهد، وجعلته معنيًا.
واستدار سعد بن عبادة قليلاً، كأنه يخاطب الساحة كلها، لا الحلقة فقط:
“كنتم تقولون يومًا إن الشرف نسب، فصار النسب حجة للكسل، لكني أقول لكم، الشرف فعل، والشرف موقف، والشرف أن تحاسب نفسك قبل أن تُحاسب غيرك.”
ثم توقف، وكأن ذاكرة بعيدة مرت أمامه، قبل أن يضيف:
“لقد كنا نبني مجتمعًا لا يُسأل فيه الرجل من أبوه، وإنما ماذا يفعل؟ واليوم أراكم تسألون: من أنت؟ ولا تسألون: ماذا تقدم؟”
اقترب سائح إسباني، بدا أنه فهم شيئًا من السياق، فسأله بإنجليزية متعثرة:
“Are you talking about equality?”
“هل تتحدثون عن المساواة؟”
ابتسم سعد، ثم أجابه بلغة إنجليزية صافية، لم تكن ثقيلة على لسانه:
“Not just equality… Responsibility. Citizenship is not a right alone, it is a duty shaped by awareness.”
” ليس عن المساواة وحدها… ولكن عن المسؤولية أيضًا. فالمواطنة ليست حقًا فحسب، وإنما واجبٌ تصوغه المعرفة والوعي”.
ثم التفت إلى رجل آخر كان يتحدث الإسبانية، وقال:
“La ciudadanía no es herencia… es conciencia. No se recibe, se construye.”
«إن المواطنة ليست إرثًا يُورث… فهي وعيٌ يُبنى. فهي لا تُمنح، وإنما تُشيَّد»
ارتفعت همهمة في الحلقة، بعضهم اندهش من لغته، وبعضهم من فكرته. وقالت شابة مغربية، تضع وشاحًا عصريًا: “كأنه يتحدث عن اليوم… عن كل شيء نعيشه”.
اقترب حكواتي عجوز، كان يحمل عصاه، وقال بنبرة فيها تحدٍ:
“وما قولك في من ورثوا السلطة؟ أليس لهم حق؟”
نظر إليه سعد بن عبادة طويلاً، ثم قال:
“الوراثة في السلطة كالنار في القش… تشتعل بسرعة وتنطفئ بسرعة. أما الشرعية، فهي ما يبقى حين تنطفئ كل النيران.”
ساد صمت ثقيل، حتى أصوات الباعة خفتت، كأن الساحة نفسها تصغي.
ثم تابع، كأنه ينسج خيطًا بين الأزمنة:
” لا يمكن اعتبار دولة المواطنة شعارًا فقط، فهي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
