طاقات الشباب

الشغب بوصفه علامة وليس جريمة فقط

لا يظهر شغب الشباب من فراغ ومن غير جذور، ولا ينفجر العنف في الملاعب وفي الشارع وفي الفضاءات الرقمية بسبب شباب يكرهون النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بالضرورة، بل يظهر الشغب مقرونا بالاحتجاج غالباً حين تفشل الهياكل الاجتماعية، بمعناها العام، في تحويل الطاقة الخام لدى الشباب إلى معنىً، وحين تعجز الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنادي والنقابة والجمعية والإعلام، عن منح الشاب مكاناً يشعر فيه بأنه مرئي ونافع ومحترم ومشارك في بناء الغد. لذلك من الحكمة قراءة الشغب حضاريا وليس أمنيا فقط. يحمي الأمن المجتمع حين يقع الخطر، لكنه لا يصنع وحده مواطناً متوازناً ولا يخلق وحده نسقا اجتماعياً جديداً.

لقد فهم فلاسفة السياسة، منذ أرسطو إلى حنة أرندت، أن المدينة – أين سياسات المدينة ببلادنا وآثارها الاستراتيجية؟!؟ – لا تقوم على القوانين وحدها، وإنما تقوم على تربية وتهذيب الرغبات وتنظيم الانفعالات وتوجيه القوة نحو الفعل العمومي. قال أرسطو: “الإنسان حيوان سياسي”، ولا تعني هذه الجملة أن الإنسان يحب السلطة فقط، بل تعني أنه لا يكتمل إلا داخل جماعة تنظمه وتسمعه وتطالبه وتكافئه. وحين يفقد الشاب شعوره بالانتماء إلى المدينة، فإنه يبحث عن مدينة بديلة قد يجدها في جمهور غاضب أو عصبة رياضية أو مجموعة رقمية أو خطاب عدمي يَعِده بقوة سريعة ورمزية خاطفة.

نحو سياسة تربوية ترى الشباب طاقة لا عبئاً

تحتاج الدولة الحديثة إلى سياسة عمومية تتعامل مع الشباب ليس بوصفه رقم انتخابي، ولا كفئة عمرية عابرة ولا كموضوع للتهدئة الموسمية، وإنما كقوة تاريخية حاسمة في بناء المغرب الصاعد. لا ينجح بلد في الالتحاق بالقوى الصاعدة إذا ترك شبابه بين عطالة المعنى وهشاشة المدرسة وضعف الوساطة الثقافية وانكسار الثقة في المؤسسات. لذلك من الحكمة أن تشتغل الدولة والمجتمع معاً على تحويل السؤال الشبابي، إلى مشروع وطني متكامل.

نبهت وثائق التنمية الأممية الخاصة بالمغرب إلى أهمية التربية المدنية في المدارس، وإلى ربطها بتقوية التماسك الاجتماعي وقدرة الشباب على مقاومة التطرف والهشاشة الرمزية. كما تبرز التقارير الدولية أن التعليم والصحة ومستوى العيش، تشكل أبعاداً مركزية في قياس التنمية البشرية، ولا يمكن فصلها عن الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

يقتضي هذا التصور إدماج الأسرة والمدرسة والجامعة والرياضة والفنون ضمن هندسة استراتيجية تنموية واحدة. من غير البراغماتي تنمويا أن تُربِّي الأسرة وحدها وتُدرِّس المدرسة وحدها وتشتغل الجامعة على تنمية العقلانية والفكر العلمي وحدها، وأن يملأ النادي الرياضي الفراغ وحده، ثم تأتي الشرطة الوطنية في النهاية – وحدها وفي غياب عمل مسبق لكل الأطر الاجتماعية السابقة – لتدير الانفجار. ينبغي أن تتحول هذه المؤسسات جميعها، إلى شبكة واحدة تمسك بالشاب قبل أن يسقط في العنف، وتفتح له باب التعبير قبل أن يصرخ، وتمنحه لغة قبل أن يستعمل الحجر.

تنقذ الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب ما لا تنقذه الخطب

تؤدي الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب دوراً لا تستطيع الإدارة العمومية أن تؤديه بالطريقة نفسها. تخاطب الفنون بدى الشباب ما يسكن في العمق: الخوف والغضب والرغبة والإحباط والحب والحلم والإحساس بالمهانة والبحث عن الاعتراف. لتحقيق ذلك لا تكفي المقررات المدرسية وحدها إذا ظلت جافة، ولا تكفي الشعارات الوطنية إذا لم تتحول إلى صور وأغانٍ وحكايات وشخصيات مسرحية وأفلام وكتب عميقة الصلة وقوية التمثيلية بأصالة، تجعل الشاب يرى نفسه داخل الوطن لا خارجه.

قال فريدريك شيلر، “يمر الطريق إلى الحرية عبر الجمال”. تكشف هذه العبارة أن الذوق ليس ترفاً وأن الفن ليس زينة ترافق أو تأتي بعد التنمية، بل هما شرط من شروطها. فالشاب الذي يتعلم أن يصغي إلى أغنية راقية، ويشاهد فيلماً ذكياً، ويقرأ رواية عميقة، ويصعد إلى خشبة مسرح مدرسية أو جامعية، يتدرب على تأجيل العنف، وعلى تحويل الانفعال إلى شكل، والغضب إلى لغة، والرغبة في الصراخ إلى قدرة على التعبير.

وقال باولو فريري “لا يحرر أحد أحداً، ولا يحرر أحد نفسه وحده، فالناس يحررون أنفسهم في جماعة”. لذلك ينبغي أن تنظم المدرسة المغربية ورشات دائمة للقراءة والمسرح والسينما والموسيقى، ليس باعتبارها مناسبات احتفالية عابرة كما هو الشأن منذ عقود، وإنما باعتبارها جزء مبرمج ومندمج في استراتيجيات التدريس والتربية والتكوين ضمن بناء الشخصية. ينبغي أن تفتح الجامعة فضاءاتها للنقاش العمومي الرصين، وأن تجعل من النوادي الثقافية مختبرات للمواطنة، لا مجرد أنشطة هامشية توضع في آخر جدول السنة، أو كتكوينات فنية – السينما والمسرح مثلا – للتأقلم مع موجات أكاديمية تفرغ الفن من بعده الإنساني الجمالي الإبداعي، تحت مسمى استيفاء الشروط الأكاديمية.

لا تصنع الرياضة الأبطال فقط، بل تصنع المواطنين

تمنح الرياضة الشباب ما يحتاجه المجتمع السياسي: القاعدة والفريق والخصم والحكم والجهد والهزيمة والانضباط ثم التقدير. لذلك لا ينبغي حصر الرياضة في صناعة الفرجة والنتائج والكؤوس، بل من الاستراتيجي استثمارها في صناعة التوازن النفسي والاجتماعي. قال نيلسون مانديلا إن “للرياضة قوة على تغيير العالم، إنها تلهم وتوحد الناس بطريقة لا يكاد يفعلها شيء آخر”. وقد شدد مانديلا في الخطاب نفسه على أن الرياضة تخاطب الشباب بلغة يفهمونها، وتخلق أملاً حيث يعشعش اليأس.

تتحول الرياضة إلى عنف حين نفصلها عن التربية، وحين ترك المدرجات بلا تأطير، وحين اختزال النادي في سوق لاعبين، وعندما يكون حضور الأسرة والمدرسة والإعلام المسؤول في بنياتها ضعيفا. علينا تعليم الطفل في الحي والمدرسة والنادي بأن الخصم ليس عدواً وأن الخسارة لا تبرر التخريب وأن الانتماء إلى فريق لا يلغي الانتماء الأكبر إلى الوطن. وينبغي أن يرافق كل برنامج رياضي برنامج ثقافي ونفسي وتربوي، فالعضلة التي لا يرافقها وعي قد تتحول إلى أداة تهور، بينما تتحول العضلة المواكَبة بالتربية والتوعية إلى أخلاق وقوة وكرامة.

ربط الجامعة بسؤال المدينة والاقتصاد والثقافة

من غير المفيد ولا البراغماتي ترك الجامعة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
2M.ma منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 23 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 11 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 59 دقيقة
جريدة كفى منذ ساعتين