أحمد حسن الزيات.. صاحب «الرسالة» وخادم اللغة العربية الأول

بينما كانت خريطة العالم تتغير بالحروب والسياسة، كان هناك رجل واحد فى القاهرة يعيد رسم حدود العقل العربى بـ«ريشة» قلم لا تخطئ البلاغة. لم يكن أحمد حسن الزيات مجرد رئيس تحرير مجلة «الرسالة»، بل كان «أرستقراطى الكلمة» الذى أقام دولة أدبية كاملة السيادة. هو المهندس الذى صمم الوجدان العربى فى القرن العشرين، محولاً ورق «الرسالة» إلى منارة أضاءت من المحيط إلى الخليج، ليثبت أن المؤسسات العظمى لا تُبنى دائماً بالحجارة، بل قد يشيدها رجل واحد امتلك ناصية البيان.

فبينما كانت شوارع القاهرة تضج بالتحولات السياسية الصاخبة، كان الزيات يخوض «ثورته الصامتة» من خلف مكتبه، واضعاً لبنات مجلة «الرسالة»، تلك المنارة التى زاوجت بعبقرية نادرة بين أصالة التراث ورياح الحداثة، لتتحول إلى «مختبر فكرى» تخرجت منه أجيال من قادة الرأى وسدنة القلم.

ويبرز الزيات فى تاريخنا الحديث كواحد من أهم «أئمة النثر»، إذ انفرد بأسلوب بيانى ساحر اعتبره النقاد «المعادلة الأصعب» فى الكتابة العربية، فهو الذى جمع بين وضوح الرافعى، سماحة العقاد، وإيجاز طه حسين. وبفضل «موسيقاه اللفظية» وتوظيفه البديع لفن الازدواج، منح الجملة العربية نغماً خاصاً جعل من فعل القراءة تجربة بصرية وسمعية فريدة، أعادت إلى اللغة العربية هيبتها وبريقها المفقود.

على مدار ستة عقود ونصف العقد من العطاء، ظل الزيات «خادم اللغة العربية» الأول، متنقلاً بين منبر«الرسالة» التى كانت بمثابة «ديوان العرب» طوال عشرين عاماً، وبين أروقة مجمع اللغة العربية. لم تكن صحافته مجرد نقل للأخبار، بل كانت أداة للإصلاح الاجتماعى، وميداناً جمع تحت سقف واحد عمالقة الفكر مثل العقاد وطه حسين وزكى نجيب محمود، ليرسموا معاً ملامح الهوية الثقافية للأمة.

لم يكن هذا العطاء الاستثنائى ليمر دون أن يُتوج بأرفع آيات التقدير، حيث تسابقت المحافل الثقافية والمجامع اللغوية فى القاهرة ودمشق وبغداد للاحتفاء به عضواً فاعلاً فى صياغة مستقبل اللغة العربية، وصولاً إلى تتويجه بجائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 1962 تقديراً لمسيرته الحافلة. ورغم رحيله فى الثانى عشر من مايو عام 1968، لا يزال صدى كلماته يتردد فى أروقة الفكر. وفى السطور التالية، نبحر فى رحلة الزيات، ونكشف كواليس مجلته التى لم تكن مجرد مطبوعة ورقية، بل كانت القلب النابض للحياة الثقافية العربية.

فى قصة خبرية تكشف جوانب خفية من حياة «فارس البيان»، أحمد حسن الزيات، برزت مفاجأة تاريخية حول موعد ميلاده الحقيقى، فبينما تشير السجلات الرسمية إلى ولادته فى الثانى من أبريل عام 1885 كشف نجله الدكتور علاء الزيات عن «تصحيح عائلى» يؤكد أن ميلاد والده قبل هذا التاريخ بسنتين، وتحديداً فى عام 1883. بقرية كفر دميرة القديم بالدقهلية. نشأ الزيات فى بيئة صقلت موهبته مبكراً، مستمداً ذائقته من والد ذى نزعة أدبية، وأم عُرفت ببراعة الحكى وفصاحة اللسان. انطلقت رحلته المعرفية من «كُتاب القرية» فى سن الخامسة، ليتم حفظ القرآن الكريم فى الحادية عشرة، قبل أن يشد الرحال إلى الجامع الأزهر قبيل بلوغه الثالثة عشرة.

وفى أروقة الدراسة، شكّل الزيات مع رفيقى دربه طه حسين ومحمود الزناتى «ثلاثياً تمرد على التقليد»، فبدلاً من الالتزام التام بدروس الأزهر النمطية. وفى الوقت الذى اتجه فيه الزيات وطه حسين لإتقان اللغة الفرنسية، كان زميلهما الثالث يغوص فى عالم المخطوطات ودكاكين الوراقين، لترسم هذه الرحلة ملامح جيل غيّر وجه الأدب العربى الحديث.

فى رحلة جمعت بين «رسالة التعليم» وصقل الذات، قضى الأديب أحمد حسن الزيات سبع سنوات بمدرسة (الفرير) بالخرنفش، حيث لم يكتفِ بغرس اللغة العربية فى نفوس طلابه، بل استثمر تلك الفترة لإتقان اللغة الفرنسية، منصفاً موهبته الأكاديمية قبل أن ينتقل فى عام 1914 إلى «المدرسة الإعدادية الثانوية» بحى الظاهر. ولم تكن مدرسة الظاهر مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت «معقلاً وطنياً» أسسه الشيخ عبدالعزيز جاويش لمواجهة محاولات الاحتلال الإنجليزى فى تخريب التعليم. وقام بالتدريس فيها عدد كبير من أفاضل المدرسين الذين ضاقت عنهم مدارس الدولة بسبب الحرب العالمية الأولى.

فى أروقة «الظاهر»، لم يكن الزيات وحيداً، بل كان جزءاً من «كتيبة التنوير» التى ضمت أسماءً مثل: المازنى، والعقاد، وأحمد زكى، ومحمد فريد أبوحديد، والكردانى، والعبادى، وخلاف، وبدران، وكامل سليم، وكان هؤلاء الذين وصفهم الزيات لاحقاً بـ«أساطين النهضة»، وأصبحوا قادة للفكر فى الجامعات والمجمع اللغوى.

لكن دور الزيات تجاوز حدود قاعات الدراسة، ففى كتابه «فى ضوء الرسالة»، يكشف لنا وجهاً نضالياً لم يألفه الكثيرون. فبينما كان طلاب الحقوق الخديوية يشكلون لجنتهم التنفيذية لإشعال فتيل الثورة ضد الإنجليز، كان الزيات هو «مهندس الكلمة الثورية» فى تلك اللجنة، إذ تولى صياغة المنشورات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 24 دقيقة
منذ 9 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 4 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ ساعتين
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات
مصراوي منذ 19 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 4 ساعات
صحيفة الدستور المصرية منذ 16 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 21 ساعة