في الوقت الذي لا نميل فيه داخل جريدة الوكالة إلى اعتماد لغة التبخيس أو الانخراط في خطاب سوداوي يختزل كل شيء في منطق التشاؤم والتيئيس، فإن بعض المشاهد تفرض نفسها بقوة وتستدعي التوقف عندها بقدر كبير من الصراحة والمسؤولية، ليس بهدف جلد المؤسسات أو تغذية الشعبوية، بل انطلاقا من واجب مساءلة الممارسة السياسية ومراقبة مدى احترامها لروح الدستور ولمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن بين هذه المشاهد، تلك الصورة التي طبعت الجلسة العمومية بمجلس النواب المخصصة لمناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم الموسم 2024/2025، حيث بدت قاعة البرلمان شبه فارغة خلال مناقشة واحدة من أهم الوثائق الرقابية المرتبطة بتدبير المال العام وتقييم السياسات العمومية بالمغرب، في مشهد زاد وقعه مع تسجيل غياب أزيد من 318 نائبا برلمانيا، مقابل حضور لم يتجاوز في مجموعه حوالي 77 نائبا من الأغلبية والمعارضة، إلى جانب حضور حكومي محدود لم يتعد أربعة وزراء.
فبعيدا عن النقاش السياسي التقليدي بين الأغلبية والمعارضة، وبعيدا أيضا عن محاولات كل طرف توظيف التقرير لخدمة مواقفه السياسية، فإن ما استوقف الرأي العام أساسا لم يكن فقط مضمون التقرير أو طبيعة الانتقادات المتبادلة، بل ذلك التناقض الصارخ بين القيمة الدستورية والسياسية لتقرير المجلس الأعلى للحسابات وبين مستوى الحضور البرلماني والحكومي خلال الجلسة. إذ كيف يمكن لمؤسسة تشريعية يفترض أنها تمثل صلب الرقابة السياسية على العمل الحكومي أن تتعامل بهذا القدر من البرود مع تقرير يرصد اختلالات تدبير قطاعات حيوية تهم المال العام والحماية الاجتماعية والاستثمار والمرافق العمومية؟
المفارقة الأكثر دلالة أن البرلمان المغربي ظل، لسنوات، يرفع شعارات تعزيز الحكامة وتخليق الحياة العامة وتقوية آليات المحاسبة، غير أن مشهد الكراسي الفارغة أعاد طرح سؤال أعمق يتعلق بمدى تحول هذه الشعارات إلى ثقافة سياسية وممارسة مؤسساتية فعلية. فالمشكل لم يعد مرتبطا فقط بظاهرة الغياب البرلماني باعتبارها سلوكا متكررا داخل المؤسسة التشريعية، بل أصبح متصلا بصورة البرلمان نفسه لدى الرأي العام، وبقدرته على إقناع المواطن بأنه فضاء حقيقي للنقاش والمساءلة وصناعة القرار، وليس مجرد محطة شكلية تمر فيها الملفات الكبرى دون أثر سياسي واضح.
وإذا كانت فرق الأغلبية قد حاولت تقديم التقرير باعتباره فرصة لتجويد الأداء العمومي وتسريع الإصلاحات، مقابل تركيز المعارضة على إبراز حجم الاختلالات والفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع الاجتماعي، فإن القاسم المشترك بين كل هذه المواقف يبقى أن المجلس الأعلى للحسابات تحول اليوم إلى أحد أهم المرايا التي تعكس أعطاب التدبير العمومي بالمغرب. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تشخيص الاختلالات، لأن تقارير المجلس ظلت، على امتداد السنوات الماضية، تقدم معطيات دقيقة وتوصيات واضحة حول عدد من الأعطاب البنيوية، بل في محدودية الأثر السياسي والمؤسساتي لهذه التقارير، وفي ضعف التفاعل العملي مع جزء مهم من توصياتها.
فالرأي العام المغربي لم يعد ينتظر فقط سماع لغة الأرقام والمؤشرات والتقارير التقنية، بقدر ما أصبح يبحث عن الأثر الملموس للمحاسبة داخل الواقع اليومي، وعن ترجمة فعلية لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي ظل لسنوات أحد أبرز الشعارات المؤطرة للنقاش العمومي بالمغرب. لذلك بدا مشهد مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات وكأنه يلخص أزمة أعمق من مجرد غياب برلماني ظرفي؛ أزمة ترتبط بمدى جدية الفاعل السياسي في التعاطي مع مؤسسات الحكامة والرقابة، وبحدود الإرادة السياسية في تحويل التقارير الرقابية من وثائق للتشخيص إلى أدوات حقيقية للإصلاح والتقويم.
كما أن الرسالة التي يبعثها هذا النوع من المشاهد إلى المواطنين تبدو مقلقة على مستوى الثقة في المؤسسات. فحين يرى المواطن أن جلسة تناقش تدبير المال العام واختلالات السياسات العمومية لا تحظى بحضور واسع من ممثليه داخل البرلمان، يصبح من الطبيعي أن تتعمق حالة النفور السياسي وفقدان الثقة في جدوى النقاش المؤسساتي. وهي معادلة خطيرة، لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود المؤسسات، بل أيضا بمدى حيوية أدوارها وفاعلية تفاعل الفاعلين السياسيين مع القضايا التي تهم المجتمع والدولة.
وقد يكون أخطر ما كشفته هذه الجلسة ليس فقط مضمون تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بل الصورة السياسية والمؤسساتية التي رافقتها. صورة تختزل، بشكل مؤلم أحيانا، الفجوة القائمة بين قوة النصوص الدستورية وضعف الممارسة السياسية، وبين طموح بناء نموذج حكامة فعال وبين استمرار بعض السلوكات التي تجعل المواطن يشعر بأن جزءا من النقاش العمومي ما يزال يدور داخل دائرة مغلقة، بعيدا عن انتظاراته الحقيقية وأسئلته اليومية.
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية
