إن ما صدر عن وزير التربية الوطنية داخل المؤسسة التشريعية في ظاهره من تيه علني بدا عليه، باطنه تعبير مكثف عن أزمة سياسية عميقة تطبع تدبير الشأن العام في المغرب، وخصوصا في القطاعات الاجتماعية ذات البعد الاستراتيجي وعلى رأسها قطاع التعليم، والذي يعتبر مشروعا مجتمعيا متكاملا، ورافعة أساسية لبناء دولة العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والكرامة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن المغاربة تفاجؤوا من ركاكة أسلوب المسؤول الحكومي المكلف بهذا القطاع الحيوي في الوقت الذي يفترض فيه أن يصرح وفق خطاب يرقى إلى مستوى المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقه، وإلى حجم التحديات الكبرى التي تواجه المدرسة العمومية، لا أن يبدو بمظهر المرتبك ليتحول في غضون ساعات معدودات إلى مادة للسخرية والاستهجان والتنمر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذا السقوط اللغوي والتواصلي الذي ظهر على لسان الوزير، هو سقوط رمزي لصورة الخطاب الحكومي الذي أصبح، في كثير من الأحيان، عاجزا عن تمثل انتظارات المجتمع وفهم عمق التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المغرب، فالوزير حين يتحدث باسم التعليم، فإنه يخاطب ملايين الأسر المغربية التي تؤمن مكرهة، رغم كل مؤشرات الانحدار، بأن المدرسة العمومية يمكن أن تستعيد دورها التاريخي يوما، كفضاء للترقي الاجتماعي ومشتلا خصبا لصناعة نخب المستقبل.
لقد بدا المشهد داخل الغرفة الأولى صادما للرأي العام، من خلال النبرة المهزوزة التي افتقدت إلى الرصانة المطلوبة في خطاب رجل دولة مسؤول عن قطاع حساس مرتبط بمصير أمة بأكملها، فلا تحامل عليه، ولا مطلوب منه أن يستعرض قواه البلاغية، لكنه ظهر للأسف، بلغة لا تحترم ذكاء المواطنين وقلقهم المشروع على مستقبل أبنائهم، غير أن هذا الحدث أعاد إلى الواجهة سؤالا يؤرقنا جميعا حول طبيعة النخب التي أصبحت تتولى تدبير الشأن العام، وحول المعايير التي يتم وفقها إسناد المسؤوليات الحكومية، وهو ما يمس صورة المؤسسات نفسها، وبمدى قدرتها على الحفاظ على هيبتها الرمزية داخل المجتمع. لأن المواطن، حين يفقد ثقته في المسؤول وفي قدرته على التواصل والإقناع، يبدأ تدريجيا في فقدان ثقته في السياسة وفي جدوى المشاركة الديمقراطية وفي روح المؤسسات برمتها، وفي فلسفة الدولة التي من المفترض أن نُسهم جميعا في حمايتها من الابتذال والتبسيط المخل.
إن الأزمة الحقيقية التي كشفتها هذه التلفة الوزارية، إن صح التعبير، والتي طبعت النموذج الحكومي الذي أفرزته التجارب الأخيرة مع بعض الاستثناءات، حيث توارى منطق الكفاءة الفكرية والمكنة السياسية في كثير من الأحيان ليتصدر المشهد منطق التوازنات الحزبية والحسابات الانتخابية الضيقة، وهنا ليس بالمبشر ما تم نقله للمغاربة والذي صار واضحا، بأن عددا من القطاعات الاجتماعية الحيوية، ومنها التعليم، هناك بالفعل من يقامر بها بلا خجل أو استحياء، متناسيا أن المدرسة مهمتها قبل التدريس والتلقين، التربية على القيم، وإعلاء الحس النقدي الحر القادر على الإسهام في التنمية والديمقراطية. ومن هنا، فإن ضعف الخطاب الحكومي يشكل انعكاسا لأزمة رؤية شاملة بعيدة تماما عن صياغة مشروع تربوي إصلاحي واضح المعالم.
وإذا كانت منصات التواصل الاجتماعي قد انفجرت بسيل جارف من التعليقات الساخرة بعد تصريح الوزير الوصي على التعليم، فإن تلك السخرية الكافكاوية التي تسيدت المنصات رديفة احتقان اجتماعي متراكم وفقدان متزايد للثقة في الخطاب السياسي الحكومي، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المؤسسات هو أن تصبح موضع سخرية جماعية، لأن السخرية السوداء، بالمنطق الكفكاوي دائما، قادرة أن تتحول بسرعة البرق، إلى تعبير عن اليأس الجماعي وعن انهيار الثقة في إمكانات الإصلاح والتغيير.
لقد ظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منذ امتداده التاريخي داخل الحركة الوطنية، ومن داخل الصف الديموقراطي التقدمي الحداثي، يعتبر بأن التعليم العمومي هو حق اجتماعي أساسي وشرط مركزي لبناء مغرب الحداثة والعدالة الاجتماعية. ولذلك، فإن أي تهاون في تدبير هذا القطاع يمثل مساسا مباشرا بمبدأ تكافؤ الفرص وبحلمنا الجماعي في مدرسة عمومية قوية ومنصفة، باعتبارها أداة إنتاج المواطنة الحقة والقيم الديمقراطية، وجسرا آمنا لعبور ولاد الشعب نحو الكرامة والاندماج الاجتماعي.
لقد أصبحت الحاجة ملحة اليوم أكثر من السابق، إلى إعادة الاعتبار للسياسة النبيلة ولصورة رجل الدولة الذي يتميز بالكفاءة الفكرية والرصيد الثقافي والقدرة على استيعاب التحولات المجتمعية، لأن تدبير التعليم لا يمكن أن يدبره رجال الأعمال المهووسون بلغة الأرقام والمؤشرات التقنية، لأنه قطاع حيوي يحتاج إلى رؤية سياسية ثاقبة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان وليس فقط في البنيان، ومن يرى في التعليم عبئا ماليا يثقل كاهل الدولة، فهو غير واع بخطورة زاوية معالجته الضيقة، لأن أي فشل في هذا الورش الاستراتيجي هو فشل في بناء مغرب العدالة والحداثة والكرامة الاجتماعية. ولذلك، فإن ما أصابنا جميعا بإحساس المرارة والكسرة، هو الإحساس العميق بأن المدرسة العمومية لا مكانة لها في الأجندات السياسية وأنها تكاد تفقد الرمزية التي تستحقها داخل أولويات الحكومة.
وإذا كان المغرب في حاجة اليوم إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية، فإننا في حاجة أكبر إلى إعادة الاعتبار لقيمة السياسة نفسها، وإلى خطاب عمومي يحترم وعي المواطنين ويستحضر حجم التحديات التي تؤرق مضاجعنا جميعا، وحتى أختم، فالأمر هنا بعيد تماما عن تصفية حساب سياسي مع شخص الوزير، لكن من الواجب الأخلاقي والسياسي الدفاع الصارم عن صورة المدرسة العمومية وعن مكانة التعليم داخل المشروع المجتمعي المغربي. لأن التعليم، في المحصلة، إذا فشلنا فيه بعد عديد محاولات الإصلاح، فإننا سنخسر المعركة الحقيقية التي يتحدد فيها مستقبل المغرب لعقود قادمة، وحين يصبح هذا القطاع رهينة تجار المال والأعمال الذين يفتقرون للدربة والمكنة ووضوح الرؤية، فإننا نقامر بالوطن، وإذا ما قامرنا بالوطن ستحل الكارثة رغم كل محاولات تأجيل الخراب.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
