أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أمريكا اسم بحّار إيطالي؟

في 13 مايو من عام 1501 انطلقت بعثة كشفية برتغالية من لشبونة، شارك فيها المستكشف الإيطالي أميريغو فسبوتشي، متجهة عبر المحيط الأطلسي نحو سواحل العالم الجديد، ووصلت إلى سواحل البرازيل، ثم واصلت الإبحار جنوباً بمحاذاة القارة، ومن هنا بدأت تتبلور لدى فسبوتشي قناعة بأن هذه الأراضي ليست امتداداً لآسيا كما كان يُعتقد، بل تمثل قارة جديدة بالكامل، وهو ما عبّر عنه لاحقاً في مراسلاته.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إن فسبوتشي وُلد عام 1454 في فلورنسا بإيطاليا، وتوفي عام 1512 في إشبيلية بإسبانيا، وكان تاجراً ومستكشفاً وملّاحاً شارك في الرحلات الأولى إلى العالم الجديد بين عامي 1499-1500 و1501-1502، وتولى منصب كبير الملّاحين في إشبيلية بين 1508 و1512، وقد اشتُق اسم الأمريكتين من اسمه الأول أميريغو.

الحياة المبكرة وُلد فسبوتشي في فترة شهدت ازدهار العلوم والفنون والاهتمام بالمعرفة الجغرافية والفلكية في أوروبا، وكان والده ناستاجيو يعمل كاتبَ عدل، وكانت عائلته مرتبطة بعلاقات مع أسرة ميديتشي الإيطالية الشهيرة، ما أتاح له الحصول على تعليم جيد شمل الرياضيات والجغرافيا وعلم الفلك، وهي علوم كانت ضرورية للملاحة البحرية في ذلك العصر.

ولم يكن فسبوتشي في بداياته بحّاراً محترفاً، بل عمل في التجارة وإدارة الأعمال، قبل أن ينخرط تدريجياً في عالم الرحلات البحرية والاستكشاف.

وفي نهاية القرن الخامس عشر كانت أوروبا تعيش حالة من التنافس المحموم بين القوى البحرية الكبرى، خصوصاً إسبانيا والبرتغال، للعثور على طرق جديدة نحو آسيا، فقد كانت تجارة التوابل والحرير والذهب القادمة من الهند والصين تمثل ثروة هائلة، لكن الطرق البرية القديمة أصبحت محفوفة بالمخاطر بعد توسع الدولة العثمانية وسيطرتها على أجزاء واسعة من الشرق.

لذلك بدأ الأوروبيون البحث عن طرق بحرية بديلة، ونجح البرتغاليون في الالتفاف حول أفريقيا والوصول إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح، بينما راهنت إسبانيا على فكرة الوصول إلى آسيا بالإبحار غرباً عبر المحيط الأطلسي.

وفي هذا السياق ظهر اسم كريستوفر كولومبوس الذي أبحر عام 1492 بدعم من التاج الإسباني ووصل إلى جزر الكاريبي معتقداً أنه بلغ جزر الهند الشرقية، لكن كولومبوس ظل حتى وفاته مقتنعاً بأنه وصل إلى أطراف آسيا، ولم يدرك أن الأراضي التي اكتشفها تنتمي إلى قارة جديدة تماماً، أما أميريغو فسبوتشي فكان من أوائل من شككوا في هذا التصور.

رحلات استكشافية انتقل فسبوتشي إلى مدينة إشبيلية الإسبانية في تسعينيات القرن الخامس عشر، وهناك عمل في تجهيز السفن وتموين الرحلات البحرية، وقد أتاح له هذا العمل الاحتكاك المباشر بالملّاحين والخرائط والرحلات الاستكشافية، كما تعرف إلى كولومبوس نفسه وساهم في إعداد بعض سفنه، ومع ازدياد اهتمامه بالملاحة، قرر خوض التجربة بنفسه.

وتوجد مجموعتان من الوثائق المتعلقة برحلاته ما تزالان محفوظتين، وتتكوّن المجموعة الأولى من رسالة نُسبت إلى فسبوتشي أُرسلت من لشبونة في البرتغال بتاريخ 4 سبتمبر من عام 1504، مكتوبة باللغة الإيطالية، وكانت موجهة إلى بييرو سوديريني وهو الغونفالونيير (أي أحد كبار القضاة أو المسؤولين في جمهوريات إيطالية في العصور الوسطى)، وقد طُبعت من هذه الرسالة نسختان الأولى تحت عنوان "أربع رحلات لأميريغو" والثانية تحت عنوان "العالم الجديد".

أما المجموعة الثانية فتتكوّن من 3 رسائل خاصة موجّهة إلى عائلة ميديشي.

وتشير المجموعة الأولى من الوثائق إلى أن فسبوتشي قام بأربع رحلات بين عامي 1497 و1504، بينما تشير المجموعة الثانية إلى أنه قام برحلتين فقط.

وتُعد الرحلة التي قام بها أميريغو فِسبوتشي بين مايو/أيار من عام 1499 ويونيو من عام 1500 واحدة من الرحلات المؤكدة تاريخياً، إذ شارك فيها بصفته ملاحاً ضمن بعثة إسبانية ضمّت 4 سفن بقيادة ألونسو دي أوخيدا.

وبما أن فِسبوتشي شارك فيها كملّاح، فمن المؤكد أنه لم يكن عديم الخبرة، ويبدو أنه قد انفصل عن أوخيدا بعد وصوله إلى ساحل ما يُعرف اليوم بغويانا، ثم اتجه جنوباً، ويُعتقد أنه اكتشف مصب نهر الأمازون ووصل حتى رأس سانت أوغسطين (عند خط عرض يقارب 6 درجات جنوباً).

وفي طريق العودة وصل إلى ترينيداد، وشاهد مصب نهر أورينوكو، ثم اتجه إلى هايتي، وقد ظن فسبوتشي أنه أبحر على طول الساحل الخاص بأقصى شبه جزيرة شرقية في آسيا، حيث كان الجغرافي بطليموس يعتقد أن مدينة كاتيغارا تقع هناك، ولذلك بحث عن طرف شبه الجزيرة هذه، وأطلق عليه اسم "رأس كاتيغارا"، وكان يعتقد أن السفن، بمجرد تجاوز هذا الموقع، تدخل إلى بحار جنوب آسيا.

وبمجرد عودته إلى إسبانيا، جهّز بعثة جديدة بهدف الوصول إلى المحيط الهندي، وخليج الغانج (خليج البنغال حالياً)، وجزيرة تابروبان أو سيلان (سريلانكا حالياً) لكن الحكومة الإسبانية لم ترحب باقتراحاته، وفي نهاية عام 1500 انتقل فسبوتشي إلى خدمة البرتغال.

قارة جديدة وتحت رعاية البرتغال، أتمّ فسبوتشي رحلة ثانية انطلقت من لشبونة في 13 مايو من عام 1501، وبعد توقف في جزر الرأس الأخضر، اتجهت البعثة إلى الجنوب الغربي، ووصلت إلى ساحل البرازيل قرب رأس سانت أوغسطين.

أما بقية تفاصيل الرحلة فهي محل خلاف، لكن فسبوتشي ادّعى أنه واصل التقدم جنوباً، وربما شاهد في يناير من عام 1502 خليج غوانابارا (خليج ريو دي جانيرو)، وأبحر حتى نهر ريو دي لا بلاتا، ما يجعله أول أوروبي يكتشف هذا المصب النهري.

وقد تكون السفن قد واصلت الإبحار أَبْعَدَ جنوباً على طول سواحل باتاغونيا (في جنوب الأرجنتين الحالية)، أما طريق العودة فغير معروف، وقد رست سفن فسبوتشي في لشبونة في 22 يوليو من عام 1502.

وتُعدّ رحلة 1501 1502 ذات أهمية أساسية في تاريخ الاكتشافات الجغرافية، إذ اقتنع فسبوتشي بأن الأراضي التي تم اكتشافها حديثاً ليست جزءاً من آسيا، بل هي عالم جديد.

وكان فسبوتشي يراقب بعناية طبيعة الأراضي الجديدة واتساعها وسكانها ونجوم السماء في نصف الكرة الجنوبي، ولاحظ أن هذه المناطق تختلف جذرياً عن أوصاف آسيا المعروفة في كتب الجغرافيين القدماء مثل بطليموس وماركو بولو، فالطبيعة مختلفة، والشعوب التي تعيش هناك لا تشبه شعوب الهند أو الصين، ومن هنا بدأ يقتنع بأن ما وصل إليه ليس آسيا، بل "عالم جديد" لم يكن معروفاً للأوروبيين من قبل.

وكانت هذه الفكرة ثورية بكل المقاييس، لأنها قلبت التصورات الجغرافية السائدة منذ قرون، ففي ذلك الوقت كان الأوروبيون يعتقدون أن العالم يتكون من 3 قارات فقط هي أوروبا وآسيا وأفريقيا، أما الحديث عن قارة رابعة مجهولة فكان يعني إعادة رسم خرائط العالم وتغيير الفهم للجغرافيا.

ودوّن فسبوتشي مشاهداته في رسائل وتقارير انتشرت بسرعة في أوروبا، وأشهرها رسالة بعنوان "العالم الجديد" أو "موندوس نوفوس"، وقد وصف فيها الأراضي الجديدة وسكانها وطبيعتها، وأكد أنها ليست جزءاً من آسيا بل قارة مختلفة.

ولاقت تلك الرسائل رواجاً واسعاً بين القراء الأوروبيين، لأنها قدمت صورة مدهشة عن أراضٍ بعيدة مليئة بالغابات والأنهار والشعوب غير المعروفة.

ومن غير المؤكد ما إذا كان فسبوتشي قد شارك في بعثة أخرى (1503 1504) لصالح الحكومة البرتغالية (ويُقال إنه ربما كان ضمن بعثة بقيادة غونزالو كويلو)، وعلى أي حال، فإن هذه الرحلة لم تُضِفْ أي معرفة جديدة.

وعلى الرغم من أن فسبوتشي ساهم لاحقاً في تجهيز بعثات أخرى، فإنه لم يشارك شخصياً في أي رحلة استكشافية بعد ذلك.

وفي بداية عام 1505 استُدعي فسبوتشي إلى البلاط الإسباني لإجراء استشارة خاصة، وباعتباره رجلاً يتمتع بالخبرة، تم تعيينه في مؤسسة "كاسا دي كونتراتاثيون دي لاس إندياس" (البيت التجاري للهند)، التي كانت قد أُنشئت قبل ذلك بعامين في إشبيلية.

وفي عام 1508 عيّنت المؤسسة فسبوتشي "كبير الملّاحين"، وهو منصب بالغ الأهمية والمسؤولية، شمل فحص تراخيص الملاحين وقادة السفن الخاصة بالرحلات البحرية، كما كان عليه إعداد الخرائط الرسمية للأراضي المكتشفة حديثاً وطرق الوصول إليها (ضمن المسح الملكي)، مع تفسير وتنسيق جميع البيانات التي كان القباطنة ملزمين بتقديمها.

وقد ساهم هذا المنصب في ترسيخ نفوذه داخل عالم الملاحة والاستكشاف، فإسبانيا كانت في تلك المرحلة تبني إمبراطورية بحرية ضخمة تعتمد على الرحلات عبر الأطلسي، وكان نجاحها مرتبطاً بوجود خرائط دقيقة وملّاحين محترفين، ومن هنا لعب فسبوتشي دوراً إدارياً وعلمياً مهماً في عصر الاكتشافات الجغرافية.

خريطة العالم وفي عام 1507، أعاد الجغرافي الألماني مارتن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأنباء الكويتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأنباء الكويتية

منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ دقيقتين
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 3 ساعات
جريدة النهار الكويتية منذ ساعة
صحيفة الجريدة منذ 19 ساعة
صحيفة الوطن الكويتية منذ 6 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 21 ساعة
صحيفة الوطن الكويتية منذ 9 ساعات
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 17 ساعة
صحيفة القبس منذ 3 ساعات