د. بدر المسكري
قراءة في نظامي اتفاقيتي نيويورك 1958 وواشنطن 1965
شهد التحكيم الدولي تطورًا متسارعًا جعله الوسيلة الأكثر حضورًا في تسوية المنازعات العابرة للحدود، سواء في المجال التجاري أم الاستثماري. وفي قلب هذا النظام تقف اتفاقيتان دوليتان شكلتا الأساس القانوني لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، هما اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام 1958، واتفاقية واشنطن لعام 1965 الخاصة بتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى، المعروفة باتفاقية أكسيد. وقد مثّل انضمام سلطنة عُمان إلى هاتين الاتفاقيتين خطوة ذات أبعاد قانونية واقتصادية مهمة، أسهمت في تعزيز الثقة بالبيئة التشريعية الوطنية، ودعمت توجه السلطنة نحو توفير مناخ قانوني أكثر استقرارًا للاستثمار والمعاملات الدولية.
ورغم أن الاتفاقيتين تتقاطعان في الغاية العامة المتمثلة في منح أحكام التحكيم الدولية الفاعلية والنفاذ، إلا أن البناء القانوني لكل منهما يكشف عن اختلاف جوهري في فلسفة التنفيذ وحدود تدخل القضاء الوطني. فبينما تقوم اتفاقية نيويورك على فكرة الرقابة القضائية المقيدة، تتجه اتفاقية واشنطن إلى تحصين الأحكام من الرقابة الوطنية وإخضاعها لنظام ذاتي مستقل. ومن هنا، يثور التساؤل حول الأساس الذي قام عليه هذا التمييز، ومدى انعكاسه على العلاقة بين السيادة القضائية الوطنية ومتطلبات حماية التجارة والاستثمار الدوليين.
أولًا: الطبيعة القانونية للاتفاقيتين
تقوم اتفاقية نيويورك على تصور تقليدي نسبيًا لطبيعة التحكيم الدولي، باعتباره نظامًا اتفاقيًا لا ينفصل بصورة كاملة عن الأنظمة القضائية الوطنية؛ فهي لا تنشئ نظامًا قضائيًا دوليًا مستقلًا، وإنما تضع إطارًا موحدًا يلتزم القضاء الوطني بموجبه بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، مع احتفاظه بسلطة رقابية محدودة تستند إلى أسباب حصرية نصت عليها الاتفاقية. ونتيجة لذلك، يظل الحكم التحكيمي مرتبطًا بالنظام القانوني لدولة المقر، وقابلًا للإبطال أمام قضائها، كما يبقى خاضعًا- عند طلب التنفيذ- لرقابة قضاء الدولة المطلوب التنفيذ فيها، لا سيما فيما يتعلق بالنظام العام وضمانات الدفاع وحدود اتفاق التحكيم.
أما اتفاقية واشنطن، فقد قامت على فلسفة مختلفة جذريًا، ترتبط بطبيعة منازعات الاستثمار وما تثيره من حساسية تتعلق بعلاقة المستثمر الأجنبي بالدولة المضيفة. فقد انطلقت الاتفاقية من فكرة ضرورة تحييد القضاء الوطني في هذا النوع من المنازعات، خشية تأثير الاعتبارات السيادية أو الاقتصادية للدولة على حياد الفصل في النزاع. ومن ثم، أنشأت الاتفاقية نظامًا ذاتيًا ومغلقًا لتسوية المنازعات الاستثمارية، يقوم على إخراج أحكام التحكيم من دائرة الرقابة القضائية الوطنية، سواء في مرحلة الطعن أو التنفيذ. ولهذا السبب، لا تخضع أحكام أكسيد لدعاوى الإبطال أمام المحاكم الوطنية، وإنما تخضع حصرًا لنظام مراجعة داخلي من خلال لجان الإبطال التابعة للمركز ذاته.
ثانيًا: لماذا الرقابة القضائية في نيويورك مقابل التحصين في واشنطن؟
يعكس الاختلاف بين الاتفاقيتين اختلافًا أعمق في فلسفة كل منهما وفي طبيعة المصالح التي تسعى إلى حمايتها؛ فاتفاقية نيويورك، بوصفها الإطار العام للتحكيم التجاري الدولي، تقوم على فكرة التوازن بين فعالية التحكيم وسيادة الدولة القضائية. فهي تفترض أن الحكم التحكيمي، رغم طابعه الدولي، يبقى عملًا قانونيًا صادرًا عن هيئة خاصة اختارها الخصوم، ومن ثم لا بد من إخضاعه لحد أدنى من الرقابة القضائية التي تضمن احترام المبادئ الأساسية للعدالة الإجرائية والنظام العام الوطني. ولهذا السبب، أُبقي للقضاء الوطني دور صمام الأمان الذي يتدخل في الحالات الاستثنائية لضمان عدم تحول التحكيم إلى وسيلة لتجاوز القواعد الجوهرية للنظام القانوني للدولة.
أما اتفاقية واشنطن، فقد جاءت استجابة لاعتبارات اقتصادية وسياسية ارتبطت بتشجيع الاستثمار الأجنبي، خاصة في الدول النامية. فقد كان المستثمرون الأجانب ينظرون تقليديًا إلى القضاء الوطني للدولة المضيفة باعتباره غير كافٍ لضمان الحياد الكامل في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
