ملخص هل يُمكن التعامل مع السينما بوصفها وثيقة معمارية؟ وإن كان هذا ممكناً، أو حتى قَدَراً لا مفر منه، في لحظة يشهد العمران تغيراً متلاحقاً، فما هي الضوابط التي يُمكن أن تحكم هذا التعامل؟
ينطلق كتاب "السينما... ليه؟ قراءة في التراث والهوية العُمرانية" (دار المرايا)، من إعداد وتحرير عمر زهران وطاهر عبدالغني، من السؤال حول الهوية العمرانية كما عكستها السينما المصرية، وما إذا كانت العلاقة في هذا الصدد هي نظر السينمائيين من قبيل لزوم ما يلزم في الصناعة السينمائية، أو كما يقولها صراحة المخرج يسري نصرالله في الحوار المنشور معه في نهاية الكتاب: "شاء المخرج أم أبى، ما إن يضع الكاميرا في الشارع حتى يسجل تفاصيل مرتبطة بشكل الشارع". يبقى السؤال مشروعاً، ويُعيد تنبيهنا إلى أن التفكير في السينما، ليس وقفاً على صُناعها ولا نُقادها، مما يسمح بإضافة رؤى جديدة، ومساحات ملهِمة من الذاتية أو النقد الانطباعي، في التفكير حول العلاقة الأزلية بين الفن السابع والعمارة.
تأمل فلسفي
ينطوي الكتاب على "دعوة إلى تأمل فلسفي ومعماري، في كيف يمكن للصورة أن تحفظ، أن تُقاوِم، وأن تُعيد الإحياء". بينما يثير طرح الموضوع أسئلة أخرى أكثر تفصيلية من نوع: هل السينما توثق الواقع؟ أم تُعيد إنتاجه من منظور سينمائي؟ لتظهَر إشكالية "الوساطة والذاتية، فالصورة تمر عبر نظرة المُصور أو المخرج، فمثلاً صورة المدينة قد تظهِر جمالها السياحي وتُخفي مظاهر الفقر، أو تركز في الدمار لتُنتج السردية السياسية". والحال أن مسألة الذاتية تحديداً، تُذكرنا بالدور المحوري الذي لعبه يوسف شاهين مثلاً في التوثيق للإسكندرية أو للقاهرة بعدسة ذكرياته وتجربته الشخصية، ومنها فيلمه "إسكندرية... ليه؟ الذي يحتذي به عنوان هذا الكتاب.
بين السينما والعمارة (دار المرايا) أما الاستخدام السياسي، والذي يثير أخيراً مزيداً من الإشكاليات مع طموح المخرجين الجدد للمُشاركة بأفلامهم في المهرجانات الدولية، فيذكرنا بعبارة الناقد السينمائي كمال رمزي: "لم تكن السينما يوماً بريئة"، أي إنها طالما انحازت إلى قضايا ووجهات نظر بعينها، ولم تكن يوماً محايدة، حتى في أشد أحوالها تسجيلية. ومع ذلك، هل ينبغي أن تتسم السينما أصلاً بالبراءة؟ وهل يمكن للفن وفي القلب منه فردانية صانعه، أن يدَّعي الحياد، وهو الذي يعيد بلورة العالم، عبر ذاتية هذا الفنان خصوصاً؟
المادي واللامادي
يُفرّق الكتاب بين التراث المادي وهو العمارة التقليدية، المباني التاريخية، الشوارع القديمة، المعالم الأثرية والأسواق الشعبية، وغيرها من الرموز الحضرية، وبين التراث اللامادي من عادات وتقاليد، فنون شعبية، موسيقى، أمثال وطقوس اجتماعية ودينية، أنماط حياة يومية، وممارسات اجتماعية كحفلات الزفاف والمآتم والمناسبات العامة والخاصة. يتناول القسم الأول من الكتاب علاقة السينما بالتراث المادي، بينما يركِز القسم الثاني على توثيق السينما للتراث اللامادي ويمر على مواضيع طريفة وذكية، كموضوع "الأكل في السينما المصرية" وتبحثه ماجي حبيب، أو موضوع "الفنون الشعبية في السينما" الذي تُقدم رؤاها حوله مريم صلاح مرعي، أو البصمة التي تتركها مهرجانات السينما على المُدن التي تقام فيها، وتفحصها ميرنا ميخائيل.
يستهل الباحث مُجيب الرحمن عامر القسم الأول بفصل عن "الفيلم كأرشيف للتراث المديني"، مُستنداً إلى اشتغال رولان بارت في كتابه "المُغامرة السيميولوجية" (1967)، وفيه يقدم الفيلسوف الفرنسي "أمثلة عن تمثيلات المدينة في الأدب ليصل إلى نتيجة جوهرية، وهي أن تعدد القراءات غير التقليدية للمدينة يساعد في استيعابها وفك رموز ما سماه كود المدينة أو شفرتها". مما يُجيب جزئياً عن سؤال علاقة واقع المعمار بالأسلوب الفني في تصوير المدينة، الذي بدأت منه فكرة الكتاب. ويعترف مُجيب عامر بأن "الدراسات التي تناولت فك رموز المدينة عبر الصورة السينمائية تتسم بالندرة، خاصة مُقارنة بالدراسات التي تُفسر المدينة عبر الأعمال الأدبية".
عوامة "ثرثرة فوق النيل" (سوشيل ميديا) ويُعلل الباحث هذا القصور بحقيقة أن "الصورة السينمائية مرئية ومتحركة، ويصعب نقلها وتحليلها كتابياً بالموضوعية التي يتطلبها البحث العلمي".
السينما والواقع
وتبرر هذه الإشارة انطلاق الباحثين من أسئلة قد لا تقبل بإجابات قطعية، بقدر ما توسّع أفق التفكير حول علاقة السينما بالواقع، وتُشدد على أهمية الكتاب بوصفه عملاً طموحاً يطرح أسئلة يمكن الاشتغال عليها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

