السكن المشترك يتمرد على "التابو" الاجتماعي في الأردن

ملخص يتقاسمون فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، ويتناوبون على التسوق من السوبرماركت القريب، فيما مالك العمارة والجيران يعرفون ما يحدث ويتذمرون بصمت، لكن لا أحد يعترض علناً.

مع استمرار الأزمات الاقتصادية، يبدو أن جدران هذه الشقق ستستمر في التوسع، بانتظار تشريعات تنظم هذا النوع من السكن العصري، أو قبول اجتماعي يعترف بأن "الحاجة" قد تسبق أحياناً "العرف".

في بعض أحياء عمّان بدأت تتبلور ملامح ظاهرة اجتماعية كانت حتى وقت قريب تصنف ضمن "المحرمات" في المجتمع الأردني، وهي ظاهرة "السكن المشترك" بين الشبان والفتيات.

ففي ظل واقع اقتصادي يضغط بشدة على جيل الشباب، إذ تلتهم الإيجارات المرتفعة وكلف المعيشة المتصاعدة أكثر من نصف الدخل الشهري، لم تعد تقتصر الظاهرة على الطلاب الأجانب أو العاملين في المنظمات الدولية، بل امتدت لتشمل شباباً أردنيين وجدوا في "تشارك الأعباء" الحل الوحيد للاستقلال عن منازل ذويهم.

لكن ذلك يصطدم بمنظومة قانونية رمادية وبنية اجتماعية تنظر بريبة إلى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، فكيف أجبر الغلاء الشباب على كسر التقاليد؟ وهل السكن المشترك مجرد "توفير" أم "تمرد"؟

حياة يومية في الطابق الثالث من عمارة عادية في منطقة الجبيهة بعمان، يتشارك أربعة أشخاص شقة من ثلاث غرف: شابان وشابتان، جميعهم خريجو جامعات وموظفون يعيشون حياة يومية طبيعية لا تختلف كثيراً عن حياة أي مستأجر آخر.

يتقاسمون فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، ويتناوبون على التسوق من السوبرماركت القريب، فيما مالك العمارة والجيران يعرفون ما يحدث ويتذمرون بصمت، لكن لا أحد يعترض علناً.

هذا المشهد المتكرر بأشكال مختلفة في بعض أحياء العاصمة عمان، يُمثّل واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية الأردنية إثارة للتساؤل والجدل وإحجاماً عن التداول، فظاهرة السكن المختلط بين الشباب من دون زواج، آخذة بالتنامي وسط صمت مطبق وتحت غطاء من التجاهل الاجتماعي والإعلامي.

صمت اجتماعي يتساءل مراقبون ما الذي تقوله هذه الظاهرة عن مجتمع أردني يتغير في الخفاء، لكنه يرفض أن يعترف بذلك في العلن؟ وهل هذا الصمت هو نوع من التسامح الضمني مع الظاهرة المرفوضة اجتماعياً أم مجرد ضرورة اقتصادية تكسر القيم وتطيح بها؟

فالاختلاط بين الجنسين خارج إطار الزواج أمر مرفوض، والاستقلال السكني للمرأة قبل الزواج مسألة تمسّ الشرف بالنسبة إلى كثير من الأردنيين، والرقابة الاجتماعية الجماعية لا تزال فاعلة في مجتمع محافظ، لكن الواقع الميداني يروي قصة مختلفة تماماً.

منذ ارتفاع أسعار الإيجارات في الفترة الممتدة بين 2021 2026، وتوسع أحياء الجامعات وامتدادها نحو مناطق أكثر شعبية وأقل رقابة، أخذت ظاهرة السكن المشترك بالتزايد.

يقول صاحب أحد العمارات "أنا أؤجّر الشقة وما يجري داخلها ليس شأني، المهم أن المستأجرين ملتزمون دفع الإيجار"، بينما يحجم كثيرون من الجيران عن التدخل على رغم رؤيتهم ما يوصف بـ"العيب" الاجتماعي.

ويصنف متخصصون هذا الصمت بأنه نفاق اجتماعي على قاعد التكيف الجماعي، لأن المجتمع يدرك أنه لا يملك أدوات التغيير والفضاء العام الآمن للنقاش من دون أن يصنف في خانة الدفاع عن "الانحلال" أو "التشدد".

ضغط اقتصادي على جانب آخر وبعيداً من الموقف الاجتماعي أو الديني من ظاهرة السكن المختلط، يطرح البعض وجهة نظر اقتصادية مادية، مع ارتفاع أسعار إيجار الشقق في مناطق عمان ارتفاعاً حاداً.

لذا لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن الأرقام الصادمة التي سجلها الاقتصاد الأردني في الأعوام الأخيرة، فوفقاً لمؤشرات دائرة الإحصاءات العامة، شهدت العاصمة عمان ارتفاعاً في أسعار الإيجارات بنسب تراوح ما بين 10 و15 في المئة في المناطق الحيوية خلال العامين الأخيرين.

على سبيل المثال، يبلغ إيجار شقة من غرفة واحدة في منطقتي الجبيهة أو أم السماق نحو 500 دولار. في حين أن متوسط راتب الموظف الأردني المبتدئ لا يزيد على 600 دولار، لذلك لا يبدو السكن المنفرد خياراً ويعتبره كثيرون رفاهية.

يؤكد شاب أردني جامعي يسكن مع فتيات في شقة واحدة، أن فكرة السكن المشترك كانت في البداية مستهجنة لكنها اليوم تنتشر بدافع اقتصادي بحت، مشيراً إلى أنها تؤدي إلى حالات زواج ناجحة أحياناً.

لكنه لا ينفي وجود معارضة اجتماعية لهذه الظاهرة بخاصة من قبل أهالي الفتيات اللواتي يضطر بعضهن إلى إخفاء الأمر.

"جيل Z" متهم لكن وفق بعض من خاضوا غمار هذه التجربة، فليس كل من يلجأ إلى السكن في شقة مختلطة لديه أسباب اقتصادية، فجزء من هؤلاء الشباب يختار هذه الظاهرة عن وعي وقناعة، ويشكل الأمر بالنسبة إليهم هوية مختلفة عن الأجيال الأخرى، في إشارة إلى ما بات يعرف "جيل Z"، وهو جيل ولد في التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، ونشأ مع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو الجيل الذي تلقّى تعليماً جامعياً بنسب غير مسبوقة، وفي الوقت ذاته واجه سوق عمل أضيق بكثير من الأجيال الأخرى.

يرى بعض أفراد هذا الجيل أن الاستقلال السكني رفض للوصاية الأسرية الممتدة، وتمرد على فكرة أن البلوغ عقد زواج، وهي قناعة تترسّخ بهدوء لدى جيل عريض من الشباب والفتيات اليوم.

يمكن رصد هذه الظاهرة بوضوح على منصات عدة مثل reddit على سبيل المثال، ثمة منشور لشخص يبحث عن شقة مشتركة في عمّان، فيما يبرز إعلان لطالب عربي مقيم في العاصمة يبحث عن شريك سكن سواء كان ذكراً أو أنثى مقابل دفع 100 دولار شهرياً. فيما تتعامل منشورات كثيرة أخرى مع السكن المختلط كأمر عملي واقتصادي.

على جانب آخر، تنشط مجموعات "فيسبوك" المغلقة الخاصة بالطلاب الجامعيين وسكن الطالبات والأجانب المقيمين في الأردن، مستخدمة مصطلحات أكثر تحفظاً وأقل صراحة مثل البحث عن "شقة مشتركة" و"زميل سكن" و"بيئة مختلطة" و"أشخاص منفتحين ذهنياً".

ويبدو أن مناطق مثل اللويبدة وجبل عمّان لا تزال تجذب الشباب بسبب الطابع الاجتماعي والحياة المشتركة فيها أكثر من المناطق الأخرى، حيث يعد السكن المشترك في هذه المناطق تمرداً اجتماعياً أكثر مما هو آلية صمود اقتصادي وحل سريع لأزمة الإيجارات المرتفعة وجزء من نمط حياة جديد لدى الطلاب والعاملين في الشركات والشباب البعيدين من عائلاتهم.

استقلالية جندرية تواجه المرأة في هذه الظاهرة ضغطاً مختلفاً ومضاعفاً، فوصمة "الفتاة التي تسكن وحدها" لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الاجتماعي، مما يجعل الاستقلال السكني للمرأة أكثر مواجهة للعواقب الاجتماعية والأسرية وربما القانونية.

على رغم ذلك، يقول محامون إنه لا يوجد نص تشريعي صريح يجرّم السكن المشترك بين بالغين خارج إطار الزواج، ما دام الأمر في نطاق الخصوصية ولم يُفضِ إلى ما يُعدّ جريمة قائمة بذاتها، بمعنى آخر لا تتحول هذه الظاهرة إلى جرم إلا إذا جرى تقديم شكوى.

وعلى رغم أن المادة 284 من قانون العقوبات الأردني تجرم "الفعل الفاضح العلني"، فإن تطبيقها يستلزم علنية وشهوداً وبلاغاً رسمياً، أيضاً السكن وراء أبواب مغلقة لا يدخل في هذا الإطار قانونياً.

والملاحقة القانونية ممكنة نظرياً هنا لكنها تستلزم شكوى ولي أمر الفتاة وإثباتاً مادياً صريحاً لوجود فعل جنسي، لا مجرد السكن المشترك، بمعنى أن المجرَّم فعلياً ليس السكن بحد ذاته، بل الفعل الجنسي المثبت.

في حين أن بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية وقانون المطبوعات والنشر قد تستخدم بطريقة غير مباشرة ضد هذه الظاهرة في حال تكييفها على أنها مس بالآداب العامة.

يؤكد متخصصون في القانون أن القانون الأردني لا يجرم "السكن المشترك" بنص صريح، لكنه يضيق الخناق عليه من خلال ثغرات أخرى مثل شكوى الجيران، فالمادة 310 من قانون العقوبات المتعلقة بالآداب العامة تُفعل فور وجود شكوى من الجيران حول "ممارسات مخلة"، وهو ما يجعل السكن المشترك تحت رحمة "الرضا الشعبي" في المنطقة.

ووفقاً لدائرة الإفتاء الأردنية، فإن الفقه الإسلامي في مجمله لا يُجيز الخلوة بين غير المحارم، لكن ثمة فجوة بين الفتوى الرسمية والتطبيق الفعلي.

وتختلف دوافع الفتيات عن الشباب في هذا السياق، حيث تبرز مشكلات الهرب من العنف الأسري أو الرقابة المشددة والاستقلالية المادية بعد الحصول على وظيفة، مع استحالة الزواج أو الدراسة في مدن بعيدة.

نماذج عدة فضلت إحدى الفتيات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من اندبندنت عربية

منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 16 ساعة
بي بي سي عربي منذ 14 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 14 ساعة