ملخص في جنوب لبنان زائر ثقيل الوطأة على حياة المواطنين ومستقبلهم، إذ لجأ الجيش الإسرائيلي إلى استخدام خليط كيماوي "زهري اللون"، يتضمن مادة "نيترات الأمونيوم" شديدة التفجير. وتهدف تلك العملية إلى استخدام عبوات قليلة الكلفة من أجل تدمير ما تبقى من نسيج عمراني في منطقة الحافة الأمامية. وألحقت تلك التفجيرات ضرراً فادحاً بالأملاك العامة والخاصة، إذ خسر المواطنون أملاكهم واستثماراتهم التي كثيراً ما حلموا بتأسيسها وتطويرها.
خلال الأيام القليلة الماضية، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان بصور لعبوات "زهرية اللون"، قالت تقارير صحافية إن الجيش الإسرائيلي يستخدمها لتفخيخ المباني والبنى التحتية في قرى الشريط الحدودي أو ما بات يعرف عسكرياً "الخط الأصفر" الذي يضم 55 قرية لبنانية. فيما بقيت هذه المعلومات والصور من دون تأكيد من الجانب اللبناني، بخاصة أن الجيش اللبناني أو الصحافة غير قادرين على دخول المنطقة الصفراء للتأكد، فيما لا ينشر الجيش الإسرائيلي بدوره عادة معلومات عما يستخدمه في تفخيخ المنازل الجنوبية في لبنان.
هذا وتسعى إسرائيل إلى تحويل ذلك الحيز الجغرافي إلى "منطقة عازلة" كل منازلها مدمرة بالكامل، من خلال إعادة تطبيق "نموذج غزة" في لبنان، وهو ما عكسته صراحة تصريحات غالبية مسؤوليها.
وبالعودة لموضوع "الغالونات الزهرية" التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي فهي تحمل بعداً سوريالياً لناحية تجميل "عمليات الهدم الموت"، فها هو اللون الزهري الذي يرمز إلى اللطف والرقة، يحول المنازل والقصور في لحظات إلى أكوام من الركام والرماد، وهو لا يتوقف الأمر عند هذه العتبة، وإنما يتجاوزها إلى الفتك بالممتلكات الزراعية والصناعية، وتغيير هوية المكان من خلال التهجير ومنع عودة السكان لقراهم.
المتفجرات "الزهرية" أثار مشهد "الغالونات الزهرية" والصور التي انتشرت كثيراً من التساؤلات، وكثرت التفسيرات والتحليلات حول طبيعتها في ظل غياب أي تصريح رسمي، نفياً أو تأكيداً، وعدم القدرة لجلاء أمرها بسبب احتلال الجيش الإسرائيلي لتلك المناطق وعدم القدرة على إجراء مسح ميداني موضوعي للمباني المدمرة.
فهل الصور التي انتشرت لهذه الغالونات حقيقية؟ ما مضمون هذه المادة الزهرية؟ وما استخداماتها؟
حملنا كل هذه الأسئلة إلى العميد الركن بهاء حلال الخبير العسكري اللبناني، الذي كشف عن أن العبوات التي تحتوي على مادة زهرية وانتشرت صورها بكثرة أخيراً تدعى "الإيمولسا"، وهي بالحقيقة خليط نيترات الأمونيوم ومادة مؤكسدة قوية ووقود ديزيل أو زيت، ومادة قابلة للاحتراق، منبهاً إلى "تلك المادة شديدة الخطورة، التي تلجأ إليها الجيوش تحت رقابة صارمة بفعل أثرها التفجيري. وهي تركيبة كيماوية، تستخدم عادة في التعدين وشق الطرقات، وليس كسلاح بحد ذاته".
ولعل الدليل الذي يتمسك به كثيرون على أن إسرائيل تستخدم بالفعل هذه المادة بتفجيرات الجنوب اللبناني، التفجير الذي الضخم الذي شهدته بلدة القنطرة الجنوبية قبل أيام قليلة، الذي وصل صداه وتأثيره إلى مدينة صيدا البعيدة عشرات الكيلومترات وتسبب بارتدادات أرضية وصلت إلى كل المناطق، فيما قال الجيش الإسرائيلي إن هذا التفجير كان لنفق كبير تابع لـ"حزب الله" في المنطقة. فيما شبهه كثيرون بشكله وطبيعته بانفجار الرابع من أغسطس (آب) عام 2020، في مرفأ العاصمة بيروت، وقد تأكد لاحقاً أن نيرات الأمونيوم كانت مخزنة داخل العنبر الذي انفجر في المرفأ.
يحذر العميد حلال من أخطار استخدام نيترات الأمونيوم شديد العصف، إذ تتراوح سرعة الانفجار عند استخدامها بين 3 آلاف و4700 متر بالثانية، كما ينجم عنها كميات كبيرة من الغازات. من جهة أخرى، يؤكد بهاء حلال أن "هذه المادة ليست شديدة الحساسية مقارنة ببقية المتفجرات كـالـ"تي آن تي" و"آر دي آكس"، وبالتالي لا يمكن أن تنفجر من دون وجود عنصر مفجر قوي لكي تنتقل من مرحلة الكمون إلى التفجير"، لافتاً إلى أنه "يتم اللجوء إليها لأنها رخيصة الثمن، وهي تستخدم مبدئياً كأسمدة زراعية، ويمكن تخزينها بسهولة، وهي شديدة الفاعلية بسبب قدرتها التدميرية"، ويذكر حلال ببعض الكوارث التي ارتبطت بهذه المادة الكيماوية، إذ عاشت بيروت أسوأ أيامها عند تفجير المرفأ في الرابع من أغسطس".
وللمفارقة، يؤكد مطلعون أن هذه المادة رخيصة وتقدر بمئات الدولارات، فيما أثرها المدمر يقضي على منازل ومؤسسات بعشرات آلاف الدولارات.
إعادة رسم المشهد فجر الـ17 من أبريل (نيسان) 2026، بدأ وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي. مع بدء الهدنة، استبشر المواطنون الخير وأمل الجنوبيون بالعودة سريعاً لقراهم ومنازلهم، ولكن التفجيرات كانت أسرع.
إذ أخذت العمليات العسكرية والتدمير الممنهج للمنازل بعداً آخر، بخاصة بعد إعلان المنطقة العازلة على طول الشريط الحدودي، ومنع سكان 55 بلدة من العودة لمنازلهم، كما أكدت التقارير الإسرائيلية أن الجيش استعان بمقاولين مدنيين لتسريع عمليات الهدم الشرسة. وأبعد من عمليات التفجير، أعاد الإسرائيلي رسم المشهد في المناطق المحتلة من خلال مسح قرى بأكملها والقضاء على النسيج العمراني المدني في البلاد، وهنا برز بصورة واضحة استخدام المواد الشديدة التفجير لتسريع عملية الهدم والتدمير.
وتؤكد الصور الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية أن قرى الخط الأصفر تعرضت إلى دمار هائل، وقد عمد بالفعل عدد من أبناء القرى المستهدفة إلى شراء هذه الصور، للتحقق من وقع التفجيرات على أملاكهم.
دمار شديد يؤكد رئيس بلدية دير سريان جنوب لبنان علي لوباني أن "بعض الأهالي لجأ بصورة فردية إلى هذه الوسائل للاطلاع على أوضاع منازلهم وأراضيهم في ظل تعذر الوصول الميداني المباشر، وهو ما يعكس حجم القلق والارتباط الكبير بأرضهم وممتلكاتهم"، معبراً عن استنكاره ويقول "الانتهاكات التي حصلت خلال الهدنة خلفت دماراً فاق ما حصل خلال الحرب بـ10 أضعاف، وما حصل وما يحصل من اعتداءات يومية قضت على هوية قرى بأكملها".
يقدم رئيس بلدية دير سريان علي لوباني صورة عن الأضرار، ويؤكد أن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
