ملخص يتجه العالم نحو عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى باعتبارها أداة للقوة والنفوذ والاستقرار. ومع تصاعد الأزمات والمنافسة العالمية، أصبحت الاتحادات الإقليمية محركاً للنمو والتأثير السياسي، فيما تبرز تجارب أوروبا وآسيا والخليج وأفريقيا كنماذج تعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي ومستقبل التنمية.
يرى الكاتب الصحافي والمحلل الاقتصادي محمد بن علي بن حمد العريمي أن العالم لم يعد يُدار بمنطق الدول المنفردة كما كان في القرن الماضي، بل بات يدار بمنطق الكتل الكبرى التي تمتلك القدرة على فرض شروطها في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. وأوضح "في لحظة تاريخية تتشابك فيها الأزمات المالية مع التحولات الجيوسياسية، وتتقاطع فيها المنافسة الاقتصادية مع الثورة الرقمية، بدأت الدول تدرك حقيقة جديدة مفادها أن القوة لم تعد تقاس بحجم الدولة وحده، بل بقدرتها على الانتماء إلى تكتل اقتصادي قادر على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها، ومن هنا، لم يكن الاتجاه المتزايد نحو الاتحادات الإقليمية الاقتصادية خياراً تكتيكياً موقتاً، بل كان تحولاً استراتيجياً يعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها العالم".
وأضاف العريمي "يكشف تتبع تطور الاتفاقات الاقتصادية الإقليمية حجم هذا التحول، فبحسب منظمة التجارة العالمية، إذ ارتفع عدد الاتفاقات التجارية الإقليمية من أقل من 50 اتفاقاً عام 1990 إلى أكثر من 350 اتفاقاً مسجل بحلول عام 2024، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو نصف التجارة العالمية تتم اليوم داخل تكتلات اقتصادية إقليمية، مقارنة بنحو 25 في المئة فحسب في بداية التسعينيات". وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد توسع في الاتفاقات، بل تعكس تغيراً عميقاً في طريقة تفكير الدول في شأن مستقبلها الاقتصادي، ولا يمكن فهم هذا التحول من دون العودة إلى الأزمات الاقتصادية التي هزت العالم خلال العقود الأخيرة، فالأزمة المالية العالمية عام 2008 أدت إلى خسائر تجاوزت تريليوني دولار، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.3 في المئة عام 2009، وفق صندوق النقد الدولي، ثم جاءت جائحة كورونا عام 2020 لتكشف عن هشاشة الاقتصادات الوطنية وسلاسل الإمداد العالمية، إذ انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المئة، بينما تراجعت التجارة العالمية بنسبة 8.5 في المئة، وفق منظمة التجارة العالمية".
ولفت المحلل الاقتصادي إلى أنه في ظل هذه الصدمات المتتالية، أدركت الدول أن الاعتماد على القدرات الفردية لم يعد كافياً، وأن التعاون الإقليمي أصبح خط الدفاع الأول ضد الأزمات، ومن جهة أخرى فرضت المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى واقعاً جديداً جعل التكتلات الاقتصادية أداة رئيسة لتعزيز النفوذ الدولي، فالاقتصاد الأميركي بلغ نحو 27.4 تريليون دولار عام 2023، بينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 17.7 تريليون دولار، وفق بيانات صندوق النقد الدولي. وتابع "في المقابل، يشكل الاتحاد الأوروبي كتلة اقتصادية يبلغ حجم ناتجها نحو 16.6 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 14.5 في المئة من الاقتصاد العالمي، وهذه الأرقام توضح أن الدول التي تعمل ضمن تكتلات قوية تمتلك قدرة تفاوضية وتأثيراً أكبر في النظام الاقتصادي العالمي مقارنة بالدول المنفردة".
تجربة الاتحاد الأوروبي وأكد العريمي أن تجربة الاتحاد الأوروبي تعد مثالاً واضحاً على قوة التكامل الاقتصادي، فمنذ تأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957، مروراً بإطلاق العملة الموحدة اليورو عام 1999، وصولاً إلى السوق الموحدة الحالية، شهدت أوروبا تحولاً اقتصادياً عميقاً، إذ تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن حجم التجارة البينية داخل الاتحاد بلغ نحو 3.9 تريليون يورو عام 2022، بينما تمثل التجارة البينية نحو 60 في المئة من إجمال تجارة دول الاتحاد، وأسهمت السوق الموحدة في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز النمو الاقتصادي، مما جعل الاتحاد الأوروبي أحد أبرز مراكز القوة الاقتصادية في العالم".
وعن آسيا يقول الكاتب "تتجسد ديناميكية التكامل الاقتصادي في اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع يناير (كانون الثاني) 2022، وتضم 15 دولة تمثل نحو 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و30 في المئة من سكان العالم، وأكثر من 28 في المئة من التجارة العالمية، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاتفاق يضيف نحو 186 مليار دولار إلى الدخل العالمي بحلول عام 2030".
وأضاف العريمي "تبرز رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي تضم 10 دول ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.6 تريليون دولار عام 2023، لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم إذا اعتبرت كتلة واحدة، بينما دخلت أفريقيا مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي مع إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
