من بناء الشركات إلى بناء المهارات.. لماذا تراهن SC Ventures على الإمارات؟

في وقت تتسابق فيه دول كثيرة لاستقطاب رأس المال والشركات الناشئة، لا ترى SC Ventures أن جاذبية الإمارات تختصر في التمويل أو الحوافز وحدها.. فبحسب رئيسها التنفيذي أليكس مانسون، ما يلفت الانتباه في الدولة هو وجود محاولة أكثر شمولاً لبناء منظومة متكاملة: رأس مال، وتنظيم، ومواهب، وشراكات، وبنية تحتية تسمح للشركات الجديدة بأن تنشأ وتتوسع، لا أن تبقى مجرد أفكار واعدة.

وفي مقابلة مع CNN الاقتصادية، قال مانسون إن الإمارات وفّرت لـSC Ventures «أرضية خصبة» لبناء المشاريع.

وSC Ventures هي منصة الابتكار وبناء المشاريع والاستثمار التابعة لبنك ستاندرد تشارترد، وتركّز على تأسيس شركات جديدة والاستثمار فيها، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المالية، والأصول الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ونماذج الأعمال التي تعيد تشكيل الخدمات المالية.

وأشار مانسون إلى أن الشركة انتقلت خلال سنوات قليلة من حضور محدود في المنطقة إلى 10 شركات، وصندوق واحد، وأكثر من 200 موظف في الدولة، معظمهم في وظائف تتطلب مهارات متقدمة.

الإمارات كمنظومة.. لا كسوق فقط ينطلق مانسون في تفسيره من فكرة أساسية: المشاريع الجديدة لا تُبنى

بالتمويل وحده، فوجود رأس المال، رغم أهميته، لا يكفي من دون جامعات ومواهب، وجهات تنظيمية قادرة على فهم النماذج الجديدة، وشبكة من الشركاء والمستثمرين، وحتى بيئة إعلامية تساعد على نقل الأفكار وتوسيع النقاش حولها.

وبحسب مانسون، فإن ما يميز الإمارات هو «النية المنهجية» لبناء هذا النوع من البيئة، بما يجعلها مؤهلة لتصبح مركزاً للشركات الجديدة.

وفي تقديره، فإن الاقتصادات التي تمر بمرحلة بناء طموحة، وتستثمر في البنية التحتية والقطاعات المستقبلية، تمثل مساحة مناسبة لشركات بناء المشاريع، لأنها تخلق احتياجات جديدة وأسواقاً لم تتشكل بالكامل بعد.

هذا التوصيف يتقاطع مع المسار الذي تسلكه SC Ventures في الدولة؛ ففي مايو 2025، أعلنت الشركة شراكة مع مركز دبي المالي العالمي للابتكار لإطلاق الاستوديو الوطني لبناء المشاريع، وهو نموذج يهدف إلى تحويل الفجوات السوقية إلى شركات قابلة للنمو، عبر مراحل تشمل اختبار الفكرة، وتصميم المنتج، واستقطاب المؤسسين، ثم التوسع.

كما تعمل الشركة ضمن شبكة شراكات تضم جهات مثل Hub7 في أبوظبي، إلى جانب مؤسسات حكومية وشركاء من القطاع الخاص.

من «رأس المال المغامر» إلى «بناء المشروع» تختلف SC Ventures عن صناديق الاستثمار التقليدية التي تكتفي غالباً بتمويل شركات قائمة مقابل حصص فيها، فالشركة تعمل أيضاً وفق بناء المشاريع الريادية، أي أنها تشارك في تطوير الشركات منذ المراحل الأولى: تحديد المشكلة، وبناء الفكرة، واختبار النموذج التجاري، ثم تأسيس الشركة ودعم توسعها.

مانسون يقدّم هذا النموذج باعتباره أكثر ملاءمة للأسواق التي تشهد تحولات سريعة، لأن الفجوات فيها لا تكون دائماً واضحة لشركات قائمة، بل تحتاج أحياناً إلى من يبتكر حلاً من الصفر.

وتظهر هذه المقاربة في مشاريع سبق أن أطلقتها SC Ventures في الإمارات، من بينها Appro وهي منصة رقمية لتبسيط طلبات المنتجات المصرفية، وmyZoi التي تعمل في مجال الحلول المالية والرواتب الرقمية للفئات الأقل استفادة من الخدمات المصرفية التقليدية، هذه النماذج تعكس توجهاً نحو حل مشكلات تشغيلية أو مالية قائمة، بدلاً من الاكتفاء بتطوير منتجات تقنية بحثاً عن سوق لاحقة.

الوظائف.. الأثر المباشر وغير المباشر في المقابلة، أعطى مانسون حيزاً واسعاً لمسألة الوظائف، معتبراً أن بناء الشركات يعني بالضرورة خلق فرص عمل، لكنه شدد على أن الأثر لا يقف عند التوظيف المباشر داخل الشركات التي تؤسسها SC Ventures.

فمن ناحية أولى، تشير أرقام الشركة في الإمارات إلى أكثر من 200 وظيفة حتى الآن، يصفها مانسون بأنها وظائف عالية المهارة في مجالات التكنولوجيا، والتمويل، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والأصول الرقمية. ومن ناحية ثانية، فإن كل شركة جديدة قد تخلق شبكة أوسع من الوظائف عبر الموردين، والشركاء التقنيين، والعملاء من الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وضرب مانسون مثالاً بمنصة تجارة إلكترونية تخدم الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ فهذه المنصة لا توظف فريقها الداخلي فقط، بل قد تساعد الشركات التي تستخدمها على توسيع مبيعاتها وعملياتها، بما ينعكس بدوره على التوظيف.. وبذلك، يصبح أثر بناء المشاريع ممتداً عبر الاقتصاد، لا محصوراً داخل الشركة المنشأة نفسها.

معركة المواهب.. بين الاستقطاب والتأهيل رغم أهمية رأس المال والبنية التنظيمية، يرى مانسون أن العامل الحاسم يبقى المواهب؛ فالمشاريع لا تتوسع، بحسب وصفه، من دون أشخاص قادرين على تشغيلها وتطويرها.

ويقول إن الشركة تعتمد مزيجاً من ثلاثة مسارات: العثور على المواهب الموجودة محلياً، واستقطاب بعض الخبرات من الخارج عندما تكون هناك حاجة إليها، ثم تدريب الكفاءات وبناء المهارات داخلياً.

ويتوقف مانسون بشكل خاص عند المسار الثالث، أي بناء المهارات، معتبراً أنه جزء أساسي من أي عملية تنموية بعيدة المدى؛ فالوظائف التي يتحدث عنها ليست وظائف تقليدية قابلة للتكرار بسهولة، بل أدواراً مرتبطة بقطاعات تتغير سريعاً وتحتاج إلى خبرات في التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والنماذج الرقمية الجديدة.

وفي عبارة لافتة، قال مانسون: «نحن لا نتحدث فقط عن مواهب تتكيف مع عالم الغد، بل عن مواهب تزدهر فيه». وهذه الجملة تلخص زاوية مهمة في المقابلة: الرهان ليس على نقل المهارات إلى الإمارات فحسب، بل على تكوين قاعدة بشرية قادرة على التعامل مع اقتصاد أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.

خطط توسع.. لكن السوق لم يكتمل بعد لا تتعامل SC Ventures مع حضورها في الإمارات بوصفه مشروعاً اكتمل؛ مانسون أشار إلى أن الشركة تخطط لمزيد من الصناديق والمشاريع والمبادرات، وأنها تجري محادثات مع شركاء إضافيين لإطلاق شركات ومشاريع مشتركة جديدة.

كما لفت إلى أن الشراكات القائمة مع DIFC ودائرة الاقتصاد والسياحة في دبي وHub71 ليست نهاية الطريق، بل قاعدة يمكن البناء عليها.

لكن المقابلة لم تقدم صورة خالية من التحديات؛ فمانسون أقرّ بأن السوق لا تزال تحتوي على «فجوات كثيرة»، لا سيما إذا تحقق جزء من الرؤية الاقتصادية للدولة خلال السنوات المقبلة.. ففي هذه الحالة، ستزداد احتياجات قطاعات واسعة، من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى المستهلكين، ومن البنوك إلى التأمين وأجزاء أخرى من القطاع المالي.. وهذا يعني أن الطلب على حلول جديدة قد يتوسع بسرعة أكبر من قدرة السوق الحالية على تلبيته.

وتشير بيانات حديثة إلى أن هذا الرهان يأتي في سوق تشهد نشاطاً متزايداً في الابتكار المالي ورأس المال المغامر؛ فقد وسّعت مؤسسات مثل DIFC وHub71 أدوات الدعم والبنية الحاضنة للشركات التقنية، فيما يواصل قطاع التكنولوجيا المالية في الإمارات جذب شركات ومستثمرين جدد، مستفيداً من تطور الأطر التنظيمية والبنية الرقمية.

الرهان الحقيقي.. هل تتحول البنية إلى شركات قابلة للنمو؟ ما تقوله مقابلة مانسون، في جوهرها، هو أن الإمارات لا تُقاس فقط بعدد الشركات التي تجذبها، بل بقدرتها على تحويل البنية التنظيمية والمالية والتكنولوجية إلى شركات جديدة قابلة للنمو، وإلى وظائف نوعية، وإلى مهارات محلية تتراكم مع الوقت.

بالنسبة إلى SC Ventures، يبدو أن الدولة تقدم مزيجاً نادراً من الطموح الحكومي، وسرعة التنفيذ، والطلب المتزايد على حلول جديدة.. لكن نجاح هذا الرهان سيُختبر عملياً بمدى قدرة الشركات التي تُبنى اليوم على الاستمرار والتوسع، وبمدى انتقال أثرها من عناوين الابتكار إلى قطاعات الاقتصاد الفعلية.

هنا، لا تبدو الإمارات بالنسبة إلى مانسون مجرد نقطة توسع جغرافية لشركة عالمية، بل سوقاً يُعاد فيها تعريف العلاقة بين التمويل، والتكنولوجيا، وبناء الشركات.. وهي علاقة لا تزال في طور التشكّل، لكنها باتت، بوضوح، جزءاً من الرهان الاقتصادي للدولة على السنوات المقبلة.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة