تسهم الطبيعة بدور أعمق مما نتخيل في الاقتصاد العالمي، فخدمات النظم البيئية، مثل المياه العذبة وتلقيح النباتات وخصوبة التربة وحماية السواحل والهواء النظيف، تعمل بصمت وتشكّل ركيزة تقوم عليها قطاعات ومجتمعات. ومع ذلك، ولأن هذه الفوائد لا تُسعّر أو تُتداول كما الأصول الأخرى، عادة ما يُغفل عنها في التخطيط الاقتصادي. وقد أفضى هذا الانفصال إلى مفارقة خطيرة: فكلما ازداد تدهور الطبيعة؛ أضعفنا أُسس الأنظمة الاقتصادية التي نعتمد عليها.
ويعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، البالغ نحو 58 تريليون دولار أميركي، اعتماداً متوسطاً أو شبه كامل على الطبيعة.
وفي الوقت نفسه، يتسارع فقدان التنوع الحيوي بوتيرة غير مسبوقة، مع تراجع بنسبة 73% في تعداد الحياة البرية المُسجلة خلال آخر خمسين عاماً. هذه الأرقام، على الرغم من طابعها البيئي، تدق ناقوس خطر اقتصادي.
والسؤال الأهم أمام صناع السياسات وقادة الأعمال لا يتعلق بأهمية حماية الطبيعة، بل بكيفية إسناد قيمة اقتصادية عادلة لها، وبكيفية تضمين هذه القيمة في عملية صنع القرارات المالية والاستراتيجية.
الطبيعة بوصفها بنية تحتية للاقتصاد من أبرز التحوّلات التي تشهدها أجندة الاستدامة اليوم التوجّه نحو تقييم خدمات النظم البيئية، وهو نهج يهدف إلى قياس الإسهام الاقتصادي للطبيعة. والهدف هنا ليس تسليع الطبيعة بل التأكيد على أن فقدان الخدمات الحيوية التي تقدمها النظم البيئية يعني الاعتماد على بدائل بشرية باهظة التكلفة.
فعلى سبيل المثال، تحمي غابات المانغروف السواحل من التآكل وارتفاع منسوب المياه الناجم عن العواصف، أما الشعاب المرجانية فتدعم الثروة السمكية وقطاع السياحة، فيما تشكّل الأراضي الرطبة أنظمة طبيعية لمعالجة المياه. وفي حال تدهور هذه النظم، ستظهر الكلفة الاقتصادية من خلال ارتفاع أسعار التأمين، أو تراجع الإنتاجية الزراعية، أو تصاعد متطلبات البنية التحتية.
ومع ذلك، لا تعكس التدفقات المالية في العالم هذا الواقع، فسنويّاً، يسهم ما يقرب من 7 تريليونات دولار أميركي من الاستثمارات الخاصة والدعم والحوافز الضريبية في تدهور النظم البيئية. وفي المقابل، لا يتجاوز الإنفاق العالمي على الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions) 200 مليار دولار أميركي فقط، ويكشف هذا الاختلال عن قصور جوهري في منطقنا الاقتصادي؛ ذلك أننا نتعامل مع النظم البيئية وكأنها موارد لا نهائية ومجانية، مع أننا قادرين على قياس قيمتها المالية ومدى إسهامها في تعزيز المرونة على المدى الطويل.
مقاربة جديدة لصنع القرار تؤكد الورقة البيضاء التي أصدرتها إف تي آي كونسلتنج بعنوان Valuing Nature: Guide to Quantifying Ecosystem Services أن إدماج رأس المال الطبيعي ضمن التحليل الاقتصادي السائد بات أمراً ضرورياً. فعندما تدرك الحكومات والمؤسسات القيمة الاقتصادية لخدمات النظم البيئية، تصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات استثمارية أذكى وأكثر مرونة. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الضغوط البيئية، مثل شحّ المياه وتآكل السواحل، تقاطعاً مباشراً مع مسارات التنمية الاقتصادية.
وفي ضوء هذا الواقع، لم تعد الاستراتيجيات الداعمة للطبيعة واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما متطلباً اقتصادياً أيضاً.
الشرق الأوسط يبدأ في تصدّر مشهد التحوّل في كلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تبرز مؤشرات مشجّعة على دمج الطبيعة، بوصفها أصلاً اقتصادياً، ضمن مسارات التنمية الوطنية.
تعمل مشاريع الحلول القائمة على الطبيعة في المملكة العربية السعودية، التي تشكل جزءاً من مبادرة السعودية الخضراء والمشاريع العملاقة، على إدماج الأصول البيئية ضمن التخطيط الحضري والساحلي. وسواء تحقق ذلك عبر التشجير واسع النطاق، أو استعادة السواحل، أو توسيع نطاق المناطق المحمية، فإن هذا يعكس قناعة المملكة بأهمية النظم البيئية الطبيعية ودورها الأساسي في الاقتصاد.
كذلك، يشكّل توجّه دولة الإمارات نحو التمويل المستدام، بما في ذلك إطار التمويل المستدام لدولة الإمارات ومبادئ المخاطر المناخية الصادرة عن المصرف المركزي، مؤشراً على إدراك ضرورة توجيه تدفّقات أكثر من رأس المال نحو المشاريع التي تحمي خدمات النظم البيئية أو تعيد تأهيلها أو تحاكي وظائفها. على سبيل المثال، باتت استعادة غابات المانغروف ركناً أساسياً في الاستراتيجية المناخية للدولة، ليس فقط لدورها في احتجاز الكربون، بل لما تقدّمه من منافع اقتصادية قابلة للقياس، تشمل حماية السواحل، وتوفير بيئات حاضنة لازدهار الثروة السمكية، وقيمة سياحية ملموسة.
وتبقى المناطق المحمية من أكثر الأدوات فاعلية لمواجهة فقدان التنوع البيولوجي والعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومع أن لهذه المناطق إسهامات كبيرة وقابلة للقياس في السياحة والتكيّف مع تغيّر المناخ، والصحة العامة، والأمن الغذائي، إلا أنه كثيراً ما يُنظر إليها على أنها أعباء مالية لا أصول اقتصادية.
ردم الفجوة الاقتصادية في ضوء كل هذه المعطيات، يبرز السؤال الأهم: لماذا لا يزال الاستثمار متأخّراً إلى هذا الحدّ عن تلبية الحاجة الفعلية؟ يكمن الجواب في الاعتقاد الراسخ بأن حماية الطبيعة توفّر قيمة معنوية أو رمزية أو أخلاقية غير ملموسة، في حين تقدّم قطاعات مثل الزراعة والبنية التحتية والاستخراج عوائد مالية فورية.. ويؤدي هذا التصوّر إلى انحياز متجذّر في آليات صنع القرار الاقتصادي.
ولتصحيح هذا الاختلال، ينبغي تقييم خدمات النظم البيئية، فعندما يتمكّن صانعو السياسات من إظهار أن الحفاظ على الأراضي الرطبة يوفّر ملايين الدولارات من تكاليف معالجة المياه، أو أن استعادة الشعاب المرجانية تحمي مليارات الدولارات من الأصول العقارية الساحلية، تصبح الحُجّة الاقتصادية الداعمة للطبيعة واضحة وغير قابلة للجدل.
إن إدماج الطبيعة ضمن النماذج المالية لن يجعل القرارات سهلة أو خالية من التنازلات، لكنه سيضمن ألّا تُهمَل بعد اليوم القيمة طويلة الأمد للأصول الطبيعية في القرارات الاقتصادية والمالية.
الشرق الأوسط عند نقطة تحوّل استراتيجية وصلت المنطقة اليوم إلى مرحلة مفصلية، إذ تعتمد استراتيجيات التنويع الاقتصادي، بدءاً من السياحة والطاقة المتجددة ووصولاً إلى البنية التحتية الذكية، على جاهزية البيئة واستقرارها.
ويُعدّ أمن المياه، واستقرار السواحل، وجودة العيش، والتكيّف مع تغيّر المناخ مجالاتٍ تؤدي فيها خدمات النظم البيئية دوراً محورياً.
ومن خلال إدماج تقييم الأصول الطبيعية ضمن الأُطر الوطنية، يمكن للدول الفاعلة على مستوى المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الإسهام في قيادة نموذج اقتصادي عالمي جديد، حيث يؤدي الاستثمار في البيئة دوراً مهماً في تعزيز القدرة التنافسية.
وقد بدأ هذا التحوّل فعلاً، فالمخاطر والفرص المرتبطة بالطبيعة باتت حاضرة أكثر في تصنيفات التمويل المستدام، والسندات الخضراء، وأدوات التمويل الانتقالي، وأُطر الإفصاح عن مخاطر المناخ. ومع تطوّر هذه الأدوات، سيكون على الشركات في مختلف أنحاء المنطقة أن تُدرك دور الأصول الطبيعية في خلق القيمة على المدى الطويل.
الاستثمار في الطبيعة هو استثمار في الاقتصاد في المحصّلة، حماية النظم البيئية لا تتعارض مع النمو الاقتصادي، بل هي شرط أساسي لتحقيقه، كما أن الطبيعة ليست خلفية صامتة لدعم اقتصاداتنا، بل تشكّل أحد أكثر الأصول إنتاجية بين أيدينا.
وكلما أسرعنا في تقدير قيمتها ازدادت قدرة اقتصاداتنا على الصمود والتنافس والازدهار.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
