سلطت زيارة مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم خليفة حفتر، إلى العاصمة المصرية القاهرة، الضوء على تنامي الشراكة المصرية الليبية في ملفات إعادة الإعمار والتنمية، وذلك من خلال اللقاءات التي عقدها مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة الإسكان، لبحث تعزيز التعاون في مجالات التنمية العمرانية والبنية التحتية والقطاع الصحي.
اعتبر خبراء اقتصاديون أن الزيارة تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين مصر وليبيا، وتمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين، خاصة في ظل الدور المتنامي للشركات المصرية في مشروعات إعادة الإعمار داخل الأراضي الليبية.
عودة الشركات الكبرى إلى ليبيا.. هل يقترب قطاع النفط من طفرة جديدة؟
العمق الاستراتيجي الغربي
يمثل التعاون بين مصر وليبيا امتداداً للعمق الاستراتيجي الغربي للدولة المصرية ودول المتوسط، خاصة في ملفات إعادة الإعمار والتنمية وتأمين الحدود والهجرة غير الشرعية، وفق تقدير الدكتورة وفاء علي أستاذ الاقتصاد والطاقة.
وقالت علي في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن اللقاءات والتحركات الأخيرة تعكس أهمية الموقع الجغرافي لليبيا ودورها كدولة منتجة للنفط في منطقة شرق المتوسط، ما يفتح المجال أمام جذب استثمارات جديدة في مجالي النفط والغاز، ويسهم في تعزيز مكانة ليبيا داخل منظومة الاقتصاد الطاقوي.
وأشارت إلى أن قطاعات التشييد والبناء المصرية سيكون لها تأثير كبير في مشروعات إعادة الإعمار، في ظل ارتفاع حجم التعاقدات إلى أكثر من 5 مليارات دولار، إلى جانب نقل الخبرات الفنية المصرية، وإنشاء محطات للوقود، وفتح أسواق جديدة للحاصلات الزراعية، وإقامة مناطق صناعية داخل ليبيا، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات الاستثمار الزراعي والطاقة.
زيادة حجم التبادل التجاري
ولفتت إلى وجود فرص كبيرة للتعاون في قطاعات المستلزمات الطبية والأدوية والبتروكيماويات، مع زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، بما يسهم في دعم الصادرات المصرية وزيادة موارد النقد الأجنبي، خاصة في المناطق الليبية التي تشهد استقراراً سياسياً.
كما أكدت على أن هذه الخطوة تأتي في إطار التحولات التي تشهدها المنطقة، وتتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية، معتبرة أنها تمثل رسالة ثقة وترحيب بالشراكة المصرية الليبية في مختلف المجالات، وتعزز من دور القوى الفاعلة في منطقة شرق المتوسط.
العلم الليبي يلوح وسط مدينة مصراتة في ليبيا يوم 21 ديسمبر 2022.
تعاون دولي في ملف الإعمار
يرى الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، الدكتور محمد الجوهري، أن التحرك المصري الليبي الحالي لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد تعاون في ملف إعادة الإعمار، بل باعتباره إعادة تشكيل لخريطة المصالح الاقتصادية في شمال إفريقيا، موضحاً أن العلاقات بين البلدين انتقلت من مرحلة التجارة التقليدية إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية العميقة القائمة على تبادل المصالح والإنتاج والخدمات والبنية الأساسية بصورة مباشرة.
وأوضح الجوهري، في تصريحات لـ إرم بزنس»، أن ليبيا لا تبحث فقط عن شركات لتنفيذ المشروعات، وإنما عن شريك يمتلك القدرة على التحرك بسرعة وبتكلفة مناسبة وخبرة واقعية في بناء المدن والطرق والمرافق والطاقة والإسكان، مشيراً إلى أن مصر تعد الدولة الأقرب والأكثر جاهزية في هذا الملف بفضل الخبرات التي اكتسبتها شركاتها خلال تنفيذ المشروعات القومية الكبرى في السنوات الأخيرة.
عوائد مالية مباشرة
وأضاف أن توسع الشركات المصرية داخل ليبيا لا يعني فقط تحقيق عوائد مالية مباشرة، بل ينعكس على تشغيل العديد من الصناعات المرتبطة بقطاع المقاولات داخل مصر، ما يوسع التأثير الإيجابي على قطاعات إنتاجية متعددة داخل الاقتصاد المصري.
وتمثل السوق الليبية تمثل فرصة استراتيجية مهمة للاقتصاد المصري في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي والضغوط التي تواجه أسواق التشغيل والاستثمار، مؤكداً أن وجود سوق قريبة بحجم الاحتياجات الليبية يمنح الشركات المصرية، خاصة العاملة في قطاع التشييد والبنية الأساسية، فرصة كبيرة للتوسع والاستفادة من فائض الخبرات والإمكانات.
ملف الإعمار يتصدر المشهد
في السياق ذاته، يرى المحلل الاقتصادي الليبي، وحيد الجبو، أن ملف إعادة الإعمار في ليبيا خلال المرحلة المقبلة سيكون من أبرز الملفات الاقتصادية والتنموية، في ظل توجه ليبيا نحو تنفيذ مشروعات كبرى في مناطق الغرب والشرق والجنوب، بعد أن يصادق مجلس النواب على ميزانية صندوق إعادة الإعمار.
وأوضح الجبو، في تصريحات خاصة لإرم بزنس»، أن مدينة درنة تأتي على رأس المدن التي تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة عقب الفيضانات الكارثية التي شهدتها وتسببت في انهيار واسع للبنية التحتية، لافتاً إلى وجود مدن أخرى في مختلف أنحاء ليبيا تحتاج أيضاً إلى خطط تنموية وإعمارية.
اتفاقية مصرية ليبية بقطاع النفط
وتأتي قطاعات الإسكان والطرق والمدارس والمستشفيات والموانئ والمطارات والنقل البحري ضمن أولويات خطة إعادة الإعمار، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية في المدن الليبية، وفق الجو الذي أضاف أن هناك تعاوناً ليبياً مصرياً في قطاع الطاقة، في ضوء اتفاقية موقعة بين وزارة النفط الليبية ووزارة البترول المصرية تتعلق بمشروع إنشاء مصفاة في الإسكندرية، معرباً عن أمله في بدء تنفيذ المشروع خلال الفترة المقبلة حال توفير الميزانيات اللازمة.
كما أوضح أن الامتداد الجغرافي بين ليبيا ومصر يسهم في تسهيل حركة التبادل التجاري ونقل التقنيات والخبرات، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدين يتجه نحو شراكات استثمارية أوسع، وليس مجرد تعاون تقليدي، خاصة مع رغبة الجانب الليبي في جذب استثمارات مصرية للمشاركة في تنفيذ مشروعات بنظام الشراكة.
وشدد على أهمية توفير الضمانات اللازمة للمستثمرين المصريين من جانب الدولة الليبية، بما يشجع على زيادة الاستثمارات في قطاعات السياحة والتجارة والبناء والتشييد والبنية التحتية.
ليبيا توحّد ميزانيتها بـ30 مليار دولار.. هل تنجح هذه المرة؟
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

