مَنْ جَعَل الأغنيةَ بيْتًا للحَنِينِ

الذي لم يغنِّ… وإنما جعل المغرب يسْمعُ نَفْسَهُ

كيف يمكنُ لصوتٍ واحدٍ أن يحملَ ذاكرةَ فاس، وقلقَ الرّباط، وصخبَ الدار البيضاء، وحنينَ القاهرة، ثم يعودَ ليصهرَ كلَّ ذلك في قلبِ أغنية؟ كيف استطاع عبد الوهاب الدكالي أن يجعل من الحب قضية، ومن الغُربة مرآة، ومن الوطن كائنًا حيًا نغار عليه ونشتاقُ إليه؟ وهل كان يغنّي للنّاس، أم كان يغني ما يعجز الناس عن قوْله؟ وكيف صار الغناء عنده أكثر من طرب، وأقرب إلى اعتراف طويل يخرج من أعماق الإنسان؟ إن سرّ َهذا الفنان يُوجد في جَمال نبرته وفي قدرته النادرة على تحويل الأغنية إلى مرآة وجدانية؛ مرآة يرى فيها المستمع ضعفه، وحنينه، وحُبه، وخَوفه، وخَساراته الصَّغيرة التي لا يَعرف كيف يُسَمِّيها.

ليست هذه الكلمات رثاءً لفنانٍ رحلَ، فالرثاء يبدأ حين ينطفئ الأثرُ، وعبد الوهاب الدكالي لم يرحل عنّا، ذلك أنه يترك صوته معلّقًا في ذاكرة الناس مثل نافذة مفتوحة على زمنٍ أكثر دفئًا. أكتب عنه وفاءً لفنانٍ لم يمرّ عبر الأذن فحسب، وإنما عبر القلب المغربي والعربي. أكتب عنه لأن بعض الفنانين لا يصنعون الأغنية وحدها، يصنعون جزءًا من وعينا العاطفي، ويمنحوننا لغةً جديدةً للحب والحنين والغربة. لقد جعل الدكالي المغربيّ يسمع حزنه دون خجل، ويعترف بضعفه دون انكسار، ويحبّ وطنه كما لو أنه شخص قريب يخاف عليه. كان صوته يقاوم الزمن، وكانت كل أغنية عنده رسالةً سريةً بين الإنسان ونفسه. لذلك لم نستمع إليه بوصفه مطربا فقط، أصغينا إلى فنانٍ يفهم هشاشتنا ويترجم ما نعجز عن قوله. وحين يرحل فنان من هذا الحجم، لا نكتب عنه لنودّعه، نكتب كي نعيد الإصغاء إلى ما تركه فينا من ضوءٍ وحنين وأسئلة لا تشيخ.

ومَنْ غنّى كأنَّهُ يكتبُ تاريخَ القلب

لم تكن بدايات الدكالي في الغناء مجرد خطوات أولى لفنان ناشئ، كانت إعلانًا عن ميلاد حسّ جديد داخل الأغنية المغربية. عندما سجَّل “مول الخال”، ثم “يا الغادي في الطوموبيل”، كان يضع يده على شيء ذكيّ وخطير: الأغنية يجب أن تكون قريبة من الناس، لكنها لا يجب أن تكون سَطحية. كان يأخذ العبارة اليومية، الصورة الشعبية، الموقف العابر، ثم يحوله إلى مادة فنية لها طعم وذاكرة. في ” الطوموبيل”، لا نسمع فقط وسيلة نقل، نسمع زمنًا مغربيًا يتحرّك. السيارة هنا ليست تفصيلًا عاديًا، إنها رمز لدخول المجتمع إلى إيقاع جديد؛ سرعة، مدينة، انتقال، حداثة، وارْتباك. وهذا ما جعل الدكالي فنانًا متقدمًا على لحظته: كان يقرأ التحول الاجتماعي من داخل الأغنية، دون أن يقدم محاضرة. كان يغلّف الفكرة باللَّحن، ويمرِّر التحليل عبر الطَّرب.

في أغاني الحب عند الدكالي، لا نجد ذلك الغزل السهل الذي يكتفي بوصف الجمال أو الشكوى من الفراق؛ فالحب عنده تجربة عميقة تكشف الإنسان أمام ذاته. وحين يغني الخصام، لا يقدمه بوصفه نهاية للعلاقة، وإنما يجعله دليلاً على استمرارها، وإن كان استمراراً موجعاً. وحين يغني الشوق، لا يقدمه مثل حنين عابر، يعرضه بوصفه قوة داخلية تربك القلب وتخلخل يقينه. لذلك تبدو عناوين مثل “مَرْسول الحب”، و”أنا مخاصمك”، و”الولف صعيب”، و “ما أنا إلا بشر” كأنها فصول من كتاب واحد عن هشاشة الإنسان حين يُحِبّ. فالحب زينة في الحياة، وهو أيضا امتحان للكبرياء، وفضح للضعف، وعودة قاسية إلى حقيقة أن الإنسان مهما بدا قويًا يبقى محتاجًا إلى من يفهم صمته. أما الغربة في عالمه الغنائي فهي شرخ داخلي، وإحساس بأن الإنسان قد يبتعد عن نفسه حتى وهو بين أهله. لذلك تكتسب” أنا والغربة” معناها العميق؛ فهي لا تتحدث عن مكان بعيد بقدر ما تتحدث عن روح تبحث عن مأوى. كما أن تكوينه المسرحي مع “فرقة المعمورة” لم يكن تفصيلًا ثانويًا. لقد ظهر أثره بوضوح في حضوره الفني. الدكالي كان يعرف كيف يبني المشهد داخل الأغنية؛ متى يرفع الصوت، متى يخفضه، متى يترك الصمت يعمل، ومتى يجعل النظرة أو النبرة تقول ما لا تقوله الكلمات. ولهذا لم يكن دخوله السينما صدفة؛ في “الحياة كفاح”، “رمال من ذهب”، “أين تخبئون الشمس؟”، ” الزر الأخضر”، “أيام شهرزاد الجميلة”، و”خفايا”، نرى.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 10 ساعات
منذ 57 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
أشطاري 24 منذ 6 ساعات
موقع بالواضح منذ 8 ساعات
Le12.ma منذ 9 ساعات
أشطاري 24 منذ 11 ساعة
Le12.ma منذ 12 ساعة
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
موقع بالواضح منذ 8 ساعات