في واحدة من أكثر خرجاته إثارة للجدل، اختار الإعلامي المغربي توفيق بوعشرين أن يختم حلقة منشورة على قناته في يوتيوب ، بعنوان احذر الكارثة.. الانتخابات الأخطر في مغرب محمد السادس ، باستحضار اسم الداعية المغربي الراحل عبد الحميد أبو النعيم وصور لشباب سلفيين داخل إحدى محاكم الدار البيضاء، في محاولة لقراءة أزمة الثقة السياسية والاجتماعية من زاوية تربط تصاعد التدين المحافظ بحالة من الهروب إلى الماضي و الاغتراب عن العصر .
غير أن ما بدا في ظاهره تحليلًا سوسيولوجيًا للظاهرة الدينية، انكشف في عمقه بوصفه إعادة إنتاج لسردية ثقافوية قديمة، تقوم على اختزال التدين المحافظ في كونه تعبيرًا عن أزمة نفسية أو فشل اجتماعي أو انسحاب رمزي من الحداثة. وهي مقاربة لا تعكس فقط ضعفًا في فهم الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية مركبة، بل تكشف أيضًا عن استمرار جزء من النخبة الإعلامية العربية في التعامل مع التدين من داخل منظور استعلائي ذي خلفية لادينية ضمنية.
لقد تحدث بوعشرين عن شباب بلحى كثيفة وسراويل قصيرة ولباس أفغاني ونساء يرتدين السواد، ثم جعل من هذه الصورة مدخلًا للحديث عن فقدان الثقة في الحاضر والبحث عن نماذج من القرون الماضية. وهنا بالضبط تظهر الإشكالية المنهجية في خطابه؛ إذ جرى الانتقال من الوصف الخارجي للمظهر الديني إلى إصدار حكم قيمي ضمني يعتبر الالتزام الديني علامة على القطيعة مع العصر.
في علم الاجتماع الديني، لا يمكن اختزال الظواهر الدينية في بعدها النفسي أو الاحتجاجي فقط، لأن الدين كما يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم ليس مجرد اعتقاد فردي، بل نسق جماعي لإنتاج المعنى والتماسك الاجتماعي . فالتدين، وفق هذا التصور، يؤدي وظيفة رمزية وأخلاقية داخل المجتمع، ويمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والمعنى في مواجهة التفكك القيمي والقلق الوجودي الذي تفرزه الحداثة المعاصرة.
ومن هذا المنطلق، فإن عودة بعض الشباب إلى أنماط تدين محافظة لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد هروب إلى الماضي ، بل قد تكون كما يشرح عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان في حديثه عن الحداثة السائلة رد فعل على السيولة القيمية وفقدان اليقين داخل المجتمعات الحديثة. ففي زمن تتآكل فيه المرجعيات الكبرى وتتحول فيه العلاقات والهويات إلى كيانات هشة ومؤقتة، يصبح الدين بالنسبة لكثير من الأفراد إطارًا لاستعادة المعنى والاستقرار الرمزي، لا مجرد تعبير عن الانغلاق أو العجز عن التكيف.
كما أن اختزال التدين في كونه نتيجة للفشل الاجتماعي يتجاهل حقيقة أساسية أثبتتها دراسات سوسيولوجية عديدة، وهي أن الظاهرة الدينية لا ترتبط فقط بالفئات المهمشة أو الفقيرة، بل تشمل أيضًا فئات متعلمة ومنخرطة اجتماعيًا وسياسيًا. وهو ما أكده عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حين أوضح أن الدين ليس نقيضًا للعقلانية، بل قد يتحول إلى قوة مؤسسة للسلوك الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي.
واللافت في خطاب بوعشرين أنه، رغم دعوته الظاهرية إلى فهم هؤلاء الشباب ، وقع في ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ العنف الرمزي ، أي فرض تصورات ثقافية معينة باعتبارها النموذج الطبيعي والشرعي للحياة الحديثة، مقابل تصوير أنماط أخرى من العيش والتفكير باعتبارها متخلفة أو غير منسجمة مع العصر. فحين يُقدَّم الشاب المتدين بوصفه هاربًا من الواقع ، بينما لا يُطرح السؤال نفسه على أنماط التغريب الثقافي والاستهلاك الرمزي للنموذج الغربي، فإننا نكون أمام ازدواجية معيارية واضحة.
الأخطر من ذلك أن الخطاب الذي قُدِّم في الحلقة مرر بشكل ناعم تصورًا علمانيًا للدين يقبل به فقط باعتباره ممارسة فردية أو طقسًا روحانيًا منزوع الأثر المجتمعي، لكنه ينزعج حين يتحول إلى مرجعية أخلاقية وفكرية لها رأي في السياسة والقيم والشأن العام. وهي الفكرة التي ناقشها المفكر الكندي تشارلز تايلور في كتاباته حول العلمنة، حيث يميز بين تراجع الإيمان وبين إعادة تشكيل حضور الدين داخل المجال العام . فالمجتمعات الحديثة، بحسب تايلور، لم تتجاوز الدين بالكامل، بل أعادت صياغة أشكال حضوره وتمثله.
أما استحضار اسم عبد الحميد أبو النعيم في هذا السياق، فقد بدا أقرب إلى الاستدعاء الرمزي لصورة نمطية جاهزة عن السلفي المتشدد ، بدل تقديم قراءة متوازنة لشخصية دعوية أثارت الجدل داخل المجتمع المغربي، لكنها ظلت جزءًا من بنيته الدينية والفكرية. فالمقاربة العلمية الرصينة تقتضي الفصل بين نقد بعض الأفكار أو المواقف، وبين تحويل كل تعبير ديني محافظ إلى مؤشر على التطرف أو الانغلاق.
إن المغرب، تاريخيًا، لم يكن مجتمعًا منفصلًا عن مرجعيته الإسلامية، بل تشكل وعيه الجماعي عبر العلماء والزوايا والفقهاء والمدارس العتيقة وحفظة القرآن، قبل أن تتشكل الدولة الحديثة بمؤسساتها السياسية والإدارية. ولذلك فإن أي قراءة تعتبر عودة الشباب إلى التدين مجرد نكوص إلى الماضي تعكس، في الحقيقة، أزمة فهم للنسيج الثقافي المغربي أكثر مما تعكس أزمة داخل المجتمع نفسه.
وحين استشهد بوعشرين بعبارة عبد الله العروي: عدو رجل السياسة هو المؤرخ ، ربما كان الأجدر به أن يستحضر أيضًا أن عدو الصحافة المؤدلجة هو التبسيط المخل. فالصحافة، حين تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الصور النمطية والأحكام الجاهزة، تفقد وظيفتها الأساسية بوصفها أداة للفهم والتحليل، وتتحول إلى فاعل إيديولوجي يساهم في تعميق الاستقطاب الثقافي داخل المجتمع.
إن المشكلة الحقيقية ليست في شاب أطلق لحيته أو فتاة اختارت لباسًا محافظًا، بل في استمرار بعض النخب في اختزال الحداثة في القطيعة مع المرجعية الإسلامية، وفي النظر إلى التدين باعتباره عبئًا ينبغي تحييده أو تطويعه حتى يصبح مجرد طقس فردي منزوع التأثير.
أما الواقع المغربي، بتعقيداته وتحولاته، فيؤكد أن التدين ليس ظاهرة طارئة أو حالة مرضية تحتاج إلى تفسير نفسي، بل مكون أساسي من مكونات الهوية الجماعية للمجتمع. ومن ثم فإن أي مقاربة جادة للصحوة الدينية ينبغي أن تنطلق من فهمها في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي، لا من خلال قوالب جاهزة ترى في كل مظهر ديني أزمة، وفي كل متدين مشروع تهديد محتمل.
وفي النهاية، فإن أزمة بعض النخب ليست مع التطرف فقط، بل مع كل تدين مستقل يرفض أن يتحول إلى مجرد ديكور ثقافي منزوع الفاعلية. ولذلك فإن إعادة تدوير الخطاب الاستعلائي القديم تجاه المتدينين لا تكشف أزمة التدين بقدر ما تكشف أزمة قراءة وفهم لهوية المجتمع المغربي كما هو، لا كما ترغب بعض النخب أن يكون.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
