المسعى الجمالي ميزة إنسانية. إنّها ليست معطى، ولا هي من الهبات التي تأتي عفوًا أو بالمصادفة. إنها تصنيع وهدف يسعى إليه الناس، وبالأخص الطليعة منهم، الذين أرهفت الثقافة حسهم، وزادت فيهم الشعور بأن الجمال ليس نافلًا. وقد جعلت هذه الطليعة الثالوث المعروف «الحق والخير والجمال» قيمًا مطلقة، يهفو، أو المفروض أن يهفو إليها، كل مخلوق من بني البشر. والجمال لا ينحصر في التجسيد المادي، بل أيضًا في العلاقة بين البشر: اللطيف، الدماثة، التعاون، الغيرية، الصدق، مراعاة الحس العام... وسوى ذلك مما يتساير مع نظافة الهيئة والهندام والسلوك.
أوصافنا وتشخيصنا هنا ينحصر في البشرية القائمة، لأن هناك إيمانًا أو تفكيرًا أو نظرية، لا تؤمن أن هذه البشرية يمكن أن تنتج حضارة راقية، والآثار الحضارية التي نتغنى بها، هي من حضارات سابقة مطمورة، وليست من صنع هذه البشرية، التي أوحى لها غرورها أنها بانية حضارة باذخة.
ولا ننكر أنّ مثقفي هذه البشرية بذلوا مجهودهم للارتقاء نحو القيم المطلقة، ولا ننكر أنهم فشلوا في ذلك.
هذا في ما هو إنساني، ولكن الملاحظ أن الطبيعة ذاتها تكره الفجاجة، فتجعل التركيب الجسدي يَضمن الراحة لهذا الجسد، والراحة أيضًا لمَن يشاهد هذا الجسد، وإلا تصوروا أن التكوين الجسدي بات معكوسًا، كما يقول لونجينوس في كتابه العظيم «The Sublime» فيظهر ما في الداخل، ويَخفى ما في الخارج؛ تخيل كبدَ المرء وأمعاءه وبقية الأعضاء تظهر للأعين، ويظهر الدماغ، وتصبح العينان داخليتين، تطلان من ثقبين في الدماغ!
حتى الجمال الطبيعي لم يرض الإنسان، فراح يخترع ما يفيد أول؟!، ثم أضاف إلى اختراعه العنصر الجمالي ثانيًا. فالحيوان لا يرتدي الجورب ولا الحذاء ولا المعطف، ولا يأكل المطبوخ. الإنسان هو الوحيد، من بين المخلوقات، القادر على إضافة الحس الجمالي إلى الضرورات وغيرها، لتجاوز المستوى الحيواني. ومَن ينظر إلى أنماط الثياب، أو تصفيف الشعر، أو طريقة الاجتماع على عمل أو مأدبة، أو صفقة.. يجد أن التطورات تتسارع، والفروق بين نمط من العيش وآخر يتعاظم. ولو تابعنا التاريخ من المرحلة المشاعية الأولى إلى يومنا هذا، لرأينا أن المتدخل الوحيد، أو العامل الوحيد في التطوير والتغيير هو الإنسان وحده، عن طريق المزيد من فرض القيود، بشتى الحجج، لضبط المشاعر والغرائز المنفلتة. إنها مقتضيات اللعبة التي نسميها الحياة.
التيار العكسي
في كل مسيرة عامة تظهر تيارات عكسية، تشاكس المألوف. وبالرغم من أن سقراط كان حذرًا من التطرف في أي شيء، بناءً على حكمة في معبد دلفي «لا تتطرف»، إلا أن بعض تلاميذه رأوا أن الخلاص من «محنة الوجود» لا يكون إلا بالفضيلة، وهي عندهم التخلص من الحاجات الضاغطة، والاقتصار على متطلبات الجسد، فأَطلقوا العنان لأنفسهم، لا يتقيدون بشيء مما هو متبع. أطلق عليهم، أو أطلقوا على أنفسهم اسم «الكلبيين» (The Cynics/Les Cyniques)، الذين تسميهم الكاتبة المصرية أبكار السقاف «التهكميين». وتقوم أفكارهم على نظرة عبثية في الحياة، ما جعلهم يقومون بسلوك غريب، فلا يتوانون من التخلص من البول والمقذوفات المعوية في الشارع والأماكن العامة، ولا يخجلون من السير من غير ثياب، بل كان بعضهم يعاشر زوجته في وسط الطرقات العامة وأمام المارة. كانوا يعتقدون أنّ الحرية لا تتحقق إلا بكسر الأقفال التي وضعها «الأغبياء» حرصًا على مشاعر العامة. كان شعارهم العريض «ابتعد عن أذى الآخرين، وافعل ما تشاء». وروي أنهم ألفوا الكثير من الكتب، ولم يبق منها شيء، إلا تلك النتف في كتب الآخرين، كتلك النتف التي نجدها في كتاب «حياة مشاهير الفلاسفة» لديوجينيس اللايرتي. ونعرف من هذه النتف أنّ فكرهم لم يكن سطحيًا، بل ربما كان أعمق من فكر غيرهم من الفلاسفة، ولكن المشكلة كانت في سلوكهم غير المألوف، وفي استخفافهم بالعادات والتقاليد، وفي تلك السخرية المريرة من الحياة الجادة. وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة نواجه مفكرين يعملون بما يؤمنون، فلا تحتاج إلى عرض أفكارهم وأصولها وفصولها، بل يكفي أن تصف ما يقومون به من أعمال لتتعرف إلى جوهر فلسفتهم وأفكارهم. بعض المؤرخين أطلقوا عليهم اسم «صغار الأرسطيين» وبعضهم الآخر سماهم «السقراطيون الصغار» على اعتبار أن سقراط هو المشرع الأكبر للفلسفة اليونانية. عودة الكلبيين
في القرن العشرين، وبخاصة بعد صدور إعلان حقوق الإنسان في منتصف هذا القرن تقريبًا، الذي نمى رغبة الاستقلال الفردي، يشجع على خرق الأعراف والتقاليد، وحقق تقدمًا كبيرًا في بعض الميادين، كتحرير المرأة وحرية المعتقد... إلخ، عادت أفكار قدامى الكلبيين إلى الظهور، مع هجومٍ عنيف على كلّ الأقفال الاجتماعية، بما فيها القواعد والأعراف المتعلقة بالجنس، بل يمكن القول إن أبرز آرائهم تركزت حول الجنس وضرورة تحريره تحريرًا كاملًا. وسندع جانبًا بعض الأعلام الذين ظهروا في النصف الأوّل من القرن العشرين أمثال أوسكار وايلد وأندريه جيد، ونقف عند الداعية الكلبي الكبير ميشيل فوكو وسنكتفي، لضيق المجال، بمقطعٍ من كتابه «تاريخ الجنسانية» الجزء الأول:
«في الحيز الاجتماعي، كما في قلب كل منزل، هناك مكان واحد للجنس معترف به، ولكنه نافع وخصب: إنها غرفة الأبوين. وكل ما عداه عليه أن يمحي، إذ تحل هنا لياقة المواقف التي تتجنب كشف الأجساد. كما أن احتشام الكلمات يُبيض الخطاب. أمّا العقيم إذا ما أصر وعرض نفسه للعيان، فإنه يتحول إلى الشاذ، ويفرض عليه وضعُه ذاك كشاذ، ويتعرض للعقوبات. ما لا يهدف إلى الإنجاب، أو ما يجمله الإنجاب، فإنه يفقد وجوده وحقه في الوجود، وحق التعبير عنه أيضًا، فهو مطرود، ومحذوف، ومحكوم عليه بالصمت في آنٍ معًا؛ فليس هو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
