بين رؤية الرئيس وبطء التنفيذ.. ماذا حدث لقطاع الأعمال بعد إلغاء الوزارة؟

كمواطن مصري، أشعر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يبذل جهدًا استثنائيًا وغير مسبوق، وكأنه يسابق الزمن نفسه من أجل أن يعوض هذا البلد سنوات طويلة من التراجع والتأجيل والتآكل البطيء في مؤسسات الدولة واقتصادها وبنيتها الأساسية.

الرجل يتحرك بعقلية من يرى أن الوقت لم يعد يحتمل البطء، وأن مصر لا تملك رفاهية الانتظار، لذلك تبدو طموحاته في كثير من الأحيان أكبر من قدرة الجهاز التنفيذي على استيعابها، وتبدو سرعة إرادته السياسية أسرع من حركة الحكومة نفسها، فبينما تُطرح أفكار ومشروعات ورؤى تحمل جرأة واضحة ورغبة حقيقية في التغيير، يبقى التنفيذ أحيانًا أسير البيروقراطية التقليدية، والعقل المتجمد، وتعدد مراكز القرار، وضعف الخيال الإداري والاقتصادي لدى بعض من يتولون التنفيذ.

ولا أشك أن الرئيس يدفع أحيانًا جزءًا من كلفة هذا البطء، حين تُحسب النتائج النهائية على رأس الدولة، بينما تكون الأزمة الحقيقية كامنة في المسافة الواسعة بين حجم الطموح وكفاءة من يُفترض بهم تحويل هذا الطموح إلى واقع.

لقد كتبتُ من قبل سلسلة مقالات تناولت فيها قضية وزارة قطاع الأعمال العام، واقترحت إلغائها نهائيا، وتحدثت وقتها عن ضرورة ألا يتحول الإلغاء إلى مجرد تغيير شكلي في الهيكل الإداري، بل إلى بداية حقيقية لإعادة بناء فلسفة إدارة أصول الدولة، واستعرضت وقتها بعض التجارب الدولية، وعلى رأسها التجربة الصينية، التي لم تتعامل مع شركات الدولة باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، وإنما باعتبارها ذراعًا اقتصاديًا واستثماريًا يمكن إعادة هيكلته وتعظيم قدرته التنافسية عالميًا.

كان مقترحي السابق بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام نابعًا من إحساس واضح بأن هذه الوزارة، عبر سنوات طويلة وتعاقب وزراء مختلفين عليها، لم تنجح في لعب دور تحويلي حقيقي يغير طبيعة هذا القطاع أو ينقله من حالة الإدارة البيروقراطية إلى عقلية الاستثمار والتنمية، فمعظم المعالجات التي كانت تُطرح لم تكن حلولًا اقتصادية حقيقية، بل مجرد إعادة توزيع للخسائر، حيث يتم الأخذ من الشركات الرابحة لضخ الأموال في الشركات الخاسرة، فيبدو المشهد في الميزانيات الختامية وكأن هناك نجاحًا واستقرارًا، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما كان يُعلن من أرباح أو تحسن مالي لم يكن إلا أرقامًا مصطنعة تخفي نزيفًا مستمرًا، وكأننا نغطي الفشل بدلًا من علاجه.

لم نشهد، للأسف، وزيرًا يمتلك عقلية استثمارية قادرة على إعادة اكتشاف الأصول، أو بناء شراكات نوعية، أو ابتكار نماذج اقتصادية جديدة تخلق قيمة حقيقية للدولة، بل إن السياسات التي استمرت لسنوات كانت في جوهرها، تُعاقب النجاح وتكافئ الفشل، تدعم الشركات المتعثرة دون إعادة هيكلة حقيقية، وتستهلك عوائد الكيانات الناجحة في سد فجوات لا تنتهي، حتى أصبح القطاع يدور في حلقة مفرغة تُرسخ الإخفاق أكثر مما تصنع النجاح.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات هي استنزاف القيادات الناجحة نفسها، وكبح قدرتها على الإنتاج والتطوير، لأن كثيرًا من القرارات لم تكن تُبنى على منطق اقتصادي بقدر ما كانت تخضع لرغبة كل وزير في أن يخرج في نهاية فترته بتقارير تحمل أرقامًا براقة توحي بوجود إنجازات كبرى تحققت في عهده، حتى لو كانت هذه الإنجازات مصطنعة وغير قابلة للاستمرار، فكانت الشركات الرابحة تُجبر عمليًا على إنقاذ شركات أخرى فاشلة، لا تملك خطة إصلاح حقيقية، ثم تحدث المفارقة الأغرب حين تقوم بعض هذه الشركات التي تعيش أصلًا على دعم غيرها بتوزيع أرباح شكلية وكأنها حققت نجاحًا فعليًا.

هذا المناخ أصاب كثيرًا من المديرين التنفيذيين المبدعين بالإحباط، لأن النجاح الحقيقي لم يكن يُكافأ، بل كان يُستنزف لصالح تغطية الفشل، ولهذا غادرت كفاءات حقيقية وقيادات تمتلك عقلية تطوير واستثمار إلى القطاع الخاص، بعدما شعرت أن بيئة العمل داخل الوزارة لم تعد تسمح ببناء نماذج ناجحة بقدر ما كانت تُدار بمنطق التوازنات الورقية والتجميل المحاسبي.

ومع الوقت، أفرغت هذه السياسات القطاع من كثير من المديرين التنفيذيين القادرين فعلًا على صناعة الفارق، وبقيت الهياكل قائمة بينما تآكلت بداخلها روح الإدارة الحقيقية.

لكن بعد مرور الوقت الآن، يبدو أن السؤال الأهم اليوم هو: ماذا حدث فعليًا لقطاع الأعمال العام بعد إلغاء الوزارة؟

للأسف، الواضح أن الحكومة ما زالت تدور داخل نفس الأزمة القديمة، وربما بصورة أكثر تعقيدًا، فالوزارة تم تفكيكها شكليًا، لكن الذهنية الإدارية نفسها ما زالت قائمة، بل يمكن القول إننا انتقلنا من وجود وزير واحد مسؤول عن القطاع، إلى وجود عدة وزراء صغار داخل الشركات القابضة، حيث أصبحت كل شركة قابضة تدير قطاعها بمعزل عن رؤية اقتصادية موحدة للدولة، ويتصرف كل رئيس شركة وكأنه الوزير المختص بقطاعه، دون تنسيق حقيقي أو تصور شامل لتعظيم العائد من أصول الدولة.

لكن ما بدا واضحًا بعد ذلك هو أن قرار إلغاء الوزارة نفسه جاء، على ما يبدو، دون وجود تصور استراتيجي مكتمل لما سيحدث في اليوم التالي للإلغاء، فالدولة أزاحت الهيكل الإداري القديم، لكنها لم تُعلن بوضوح: ما هو النموذج البديل؟ وما هو المصير النهائي لشركات قطاع الأعمال العام؟ هل كان هناك اتجاه لدمج بعض الشركات داخل كيانات اقتصادية أكبر وأكثر كفاءة؟ هل كان مخططًا نقل بعض الشركات إلى الوزارات المتخصصة بحسب طبيعة نشاطها؟ أم كان الهدف هو تحويل جزء منها إلى الصندوق السيادي ليُدار بعقلية استثمارية مختلفة؟

الحقيقة أن المشهد بدا مرتبكًا، وكأن قرار الإلغاء سبق إعداد الخطة البديلة، فتحولت الشركات إلى كيانات تتحرك في مساحة ضبابية، لا هي بقيت تحت قيادة مركزية واضحة، ولا انتقلت إلى نموذج اقتصادي حديث مكتمل المعالم، ومع غياب الرؤية الحاسمة، استمر كثير من الملفات كما هو، وبقيت الأسئلة الكبرى معلقة دون إجابات واضحة، بينما كانت الدولة تحتاج في تلك اللحظة تحديدًا إلى إعادة رسم خريطة كاملة لقطاع الأعمال العام، لا مجرد حذف اسم وزارة من الهيكل الحكومي.

لقد ركز الرئيس عبد الفتاح السيسي في رؤيته، على تحويل قطاع الأعمال العام من "عبء مالي" إلى "رافد إنتاجي" يساهم بقوة في الاقتصاد الوطني، فقد وجه الرئيس بمواصلة العمل على تعظيم العوائد من الأصول غير المستغلة للشركات القابضة والتابعة، وتحسين الأداء المالي والإداري، والشراكة مع القطاع الخاص، من خلال التركيز على إشراك القطاع الخاص كشريك استراتيجي في الإدارة والإنتاج (وليس فقط كمتلقٍ للأصول)، لتعزيز الكفاءة التشغيلية، كما وجه الرئيس بتحديث الصناعة والتكنولوجيا، وبتحديث المصانع وخطوط الإنتاج وتوطين التكنولوجيا الحديثة، مع التركيز على الصناعات الاستراتيجية مثل الغزل والنسيج، بالإضافة إلى زيادة الصادرات، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية لزيادة الصادرات، مع تطوير العنصر البشري لرفع كفاءة العاملين وتدريبهم وفقًا لأحدث النظم.

لم يغفل الرئيس أيضا في أن يُوَّلي قطاع السياحة أهمية قصوى باعتباره أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة والنمو الاقتصادي، وكان من أبرز ما قاله الرئيس السيسي عن السياحة وطموحاته، هدف الـ 30 مليون سائح، حيث أكد الرئيس حرص مصر على مواصلة تطوير القطاع للوصول إلى هدف استقبال 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2030، لذلك شدد على أن الحفاظ على الأمن والأمان ضرورة حتمية لتعزيز السياحة، كما وجه بتطوير البنية التحتية في الطرق، المطارات، وكما حدث في المتحف المصري الكبير، ليجعل مصر وجهة سياحية عالمية تفضيلية، بالإضافة إلى التنوع السياحي ما بين (ثقافي، بيئي، شاطئي) لجذب أنماط مختلفة من السياح.

وهنا تظهر الفجوة الكبيرة بين رؤية القيادة السياسية وسرعة الحكومة في التنفيذ، والسؤال عن دور الشركة القابضة للسياحة في تنفيذ توجيهات الرئيس سؤال مشروع وحتمي، ولماذا لا تدخل شركات أخرى ناجحة في قطاع التشييد والتعمير لتسهم في تعزيز خطة الرئيس بإقامة شقق أو وحدات فندقية صغيرة تزيد من نسبة الوحدات الفندقية، وتعزز الفئات الأقل دخلا من مصر وخارجها وتشجعهم على السياحة سواء الداخلية أو الخارجية؟

ماذا فعلت الحكومة فعليًا لتحقيق هذا الهدف؟ أين إعادة توظيف الأصول السياحية؟ أين التوسع الفندقي الحقيقي؟ أين الدمج الاقتصادي بين الشركات والأراضي والأصول لتحقيق طفرة سياحية تتناسب مع توجه الرئيس بالوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2030؟

حتى الآن لا يبدو أن هناك تصورًا اقتصاديًا متكاملًا، بقدر ما توجد إدارات منفصلة تتحرك كل منها داخل حدودها الضيقة.

الأزمة الحقيقية ليست نقصًا في الأصول، وإنما ضعف إدارة هذه الأصول.

نأخذ مثلًا حالة شركة مثل النصر العامة للمقاولات (حسن علام) الشركة تعاني من تعثرات ومديونيات تاريخية لم يتم التعامل معها جذريًا منذ سنوات، فتضاعفت الأعباء والمديونيات بشكل هائل، وفي الوقت نفسه تستمر الحكومة في الحديث عن اصلاحات هيكلية ومالية يبدو أنها لن تثمن ولا تغني من جوع، وفي 24 يناير من هذا العام، قررت الشركة القابضة للتشييد والتعمير بناء على الجمعية العمومية غير العادية لشركة النصر العامة للمقاولات(حسن علام) بجلستها في 26 مايو سنة 2025، زيادة رأس مال الشركة على أن تمول من الأرصدة الدائنة المستحقة للشركة القابضة ويتم تخفيض رأس المال مقابل الخسائر المرحلة!

ما حدث هنا يعني عمليًا أن الشركة القابضة قامت بتحويل جزء من الديون المستحقة لها على شركة النصر العامة للمقاولات (حسن علام) إلى رأس مال، ثم جرى في المقابل تخفيض رأس المال لإطفاء الخسائر المرحلة المتراكمة في ميزانية الشركة، وبمعنى أبسط، بدل أن تظهر هذه الأموال كـ ديون واجبة السداد على الشركة المتعثرة، تم تحويلها محاسبيًا إلى مساهمة رأسمالية، ثم استُخدم جزء من رأس المال الناتج لمحو الخسائر القديمة من الدفاتر، حتى تبدو القوائم المالية أكثر توازنًا وأقل تدهورًا.

هذا الإجراء من الناحية القانونية والمحاسبية ليس مخالفًا في حد ذاته، بل يُستخدم أحيانًا في عمليات إعادة الهيكلة المالية للشركات المتعثرة، خاصة عندما تكون الدولة أو المساهم الرئيسي مقتنعًا بأن الشركة ما زالت تملك فرصة حقيقية للتعافي مستقبلًا، فهو يخفف عبء المديونية والفوائد، ويحسن الشكل الظاهري للمركز المالي، ويمنع الوصول إلى مرحلة تآكل كامل لحقوق الملكية.

لكن المشكلة الجوهرية ليست في الإجراء نفسه، بل في الإشكالية الأخطر: هل تم ذلك ضمن خطة إصلاح وتشغيل حقيقية؟ أم أنه مجرد تجميل مالي لتأجيل الأزمة؟ وإذا لم يصاحب هذه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 5 ساعات
منذ 56 دقيقة
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
مصراوي منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 8 ساعات
مصراوي منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 7 ساعات