الإدارة الذاتية للمحافظات اليمنية: تهيئة لبناء الدولة الوطنية

د. أبوبكر القربي، وزير الخارجية اليمني الأسبق

د. باسل باوزير، عضو الفريق الاستشاري الدستوري للدعم في اليمن

في ظل تعثر المسارات السياسية واستنزاف اليمن في دوائر الصراع الممتدة منذ سنوات، تبدو الحاجة ملحّة للبحث عن مقاربات جديدة تتجاوز الحلول التقليدية التي أثبتت محدودية فعاليتها. ومن هنا تبرز الإدارة الذاتية للمحافظات بوصفها محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والمحافظات على أسس أكثر توازنًا وعدالة، بعيدًا عن ثنائية الهيمنة المركزية أو الانقسام السياسي. ويأتي طرح هذه الفكرة بالتزامن مع التطورات الأخيرة في ملف الأسرى، باعتبارها مؤشرًا أوليًا على إمكانية تحريك الجمود السياسي القائم. كما أن هذه الرؤية لا تُقدَّم باعتبارها تسوية نهائية للأزمة اليمنية، بل كإطار انتقالي مؤقت يساعد على إدارة الدولة وتخفيف الاختلالات البنيوية، ويفتح المجال أمام حوار وطني أوسع تشارك فيه مختلف القوى والمكونات اليمنية، إلى جانب الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالحل السياسي، بهدف الوصول إلى صيغة وطنية تضمن وحدة البلاد وعدالة الشراكة بين أبنائها.

أعادت التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، وما رافقها من تمدد نفوذ مجلس القيادة الرئاسي، طرح الأسئلة القديمة المتعلقة بطبيعة الدولة اليمنية وحدود العلاقة بين المركز والأطراف. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن تمثل المرحلة الجديدة فرصة لإعادة بناء التوازن السياسي، بدأت تتشكل مؤشرات تعكس عودة النزعة المركزية بصورة مختلفة، سواء من خلال آليات إدارة السلطة أو طبيعة التعيينات والتحالفات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومة الجديدة مطلع عام 2026.

هذا المسار أعاد إلى الواجهة المخاوف التاريخية لدى أبناء المحافظات اليمنية المختلفة، ممن ارتبطت ذاكرتهم السياسية بتجارب طويلة من التهميش وضعف المشاركة في صنع القرار، فضلًا عن اختلال توزيع الثروة والخدمات وفرص التنمية. وقد ساهمت هذه التجارب في ترسيخ شعور واسع بأن الدولة المركزية، بصيغتها التقليدية، لم تنجح في بناء شراكة وطنية متوازنة بين مختلف المحافظات.

ومنذ قيام النظام الجمهوري في الشمال والاستقلال في الجنوب، ثم مرحلة الوحدة اليمنية لاحقًا، اتجهت بنية الدولة تدريجيًا نحو تركيز السلطة والقرار داخل المركز السياسي، بينما تراجع حضور المحافظات في إدارة شؤونها المحلية. وتحولت معايير النفوذ السياسي والإداري، في كثير من الأحيان، من الكفاءة والتمثيل الحقيقي إلى اعتبارات الولاء وشبكات القوة، الأمر الذي عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع في أجزاء واسعة من البلاد.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتجدد المخاوف مع التطورات السياسية الأخيرة، خصوصًا في ظل تصاعد الاستقطابات داخل الجنوب، وعودة بعض أدوات إدارة المجال العام القائمة على فرض التوازنات بالقوة بدلًا من بناء التفاهمات السياسية. وقد أدى ذلك إلى تنامي الإحساس لدى قطاعات واسعة من اليمنيين بأن أي عودة إلى النموذج المركزي التقليدي ستعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي ساهمت في تفكك الثقة الوطنية خلال العقود الماضية.

وفي المحافظات الشرقية مثل حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، كما في محافظات أخرى كالجوف ومأرب وصعدة، لم تعد فكرة الإدارة الذاتية تُنظر إليها باعتبارها مجرد مطلب سياسي عابر، بل باعتبارها وسيلة لحماية المشاركة المحلية وضمان عدم تكرار أنماط الإقصاء السابقة. فهذه المحافظات، رغم أدوارها الاقتصادية والجغرافية المهمة، ظلت لفترات طويلة بعيدة عن التأثير الحقيقي في إدارة الدولة وتوجيه القرار العام.

كما أن قطاعات واسعة من اليمنيين باتت ترى أن إعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات يمكن أن تسهم في تحسين إدارة الخدمات والأمن والتنمية المحلية، وأن تمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على التعبير عن احتياجاتها وإدارة أولوياتها بصورة أكثر فاعلية.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الإدارة الذاتية باعتبارها صيغة لتنظيم الدولة لا مشروعًا لتفكيكها؛ فهي تقوم على تعزيز المشاركة المحلية ضمن إطار الدولة اليمنية الواحدة، وتستهدف بناء علاقة أكثر توازنًا بين السلطة المركزية والمحافظات، بما يخفف من الاحتقان السياسي ويعيد بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

إن اليمن، في ظل أزماته المتراكمة، يحتاج إلى مراجعة عميقة لطبيعة النظام الإداري والسياسي الذي حكم العلاقة بين المركز والأطراف لعقود طويلة. فإعادة توزيع الصلاحيات والموارد بصورة عادلة قد تمثل مدخلًا ضروريًا لاستعادة الاستقرار ومنع المزيد من التفكك، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وبهذا المعنى، فإن الإدارة الذاتية لا تستهدف إضعاف الدولة أو الانتقاص من سيادتها، بل تهدف إلى بناء نموذج حكم أكثر قدرة على الاستيعاب والتوازن، يقوم على الشراكة بدل الاحتكار، وعلى المشاركة بدل الهيمنة. وهي محاولة لإعادة تأسيس العقد الوطني اليمني على قاعدة أوسع من العدالة السياسية والإدارية.

نظريًا، تمتلك اليمن مقومات تسمح بتطوير نموذج متقدم للإدارة الذاتية، إلا أن الظروف الحالية، بما فيها استمرار الانقسام السياسي وتداعيات الحرب، تجعل من أي تحول من هذا النوع عملية معقدة تحتاج إلى توافقات واسعة وضمانات واضحة.

ومن هذا المنطلق، فإن إقرار أي صيغة للإدارة الذاتية للمحافظات يقتضي حوارًا وطنيًا شاملًا تشارك فيه مختلف القوى والمكونات اليمنية، إذ لا يحق لأي طرف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات
عدن تايم منذ 7 ساعات
عدن تايم منذ ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
نافذة اليمن منذ ساعة
عدن تايم منذ 5 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
عدن تايم منذ 20 ساعة