ويأتي هذا التوجه المغربي في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الطاقية وتزايد الاضطرابات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة الأمن الطاقي العالمي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي كشفت هشاشة اعتماد أوروبا على مصادر طاقة محدودة، ودفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارا وأقل ارتباطا بالتوترات السياسية، كما ساهمت التوترات في الشرق الأوسط، وما رافقها من إغلاق لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم، في تعميق المخاوف الدولية بشأن أمن الإمدادات الطاقية وتقلب الأسعار العالمية، وفي ظل هذه التحولات، برزت الحاجة إلى بناء شراكات جديدة قائمة على الطاقات النظيفة والمستدامة، وهنا يحاول المغرب تقديم نفسه كشريك استراتيجي قريب من أوروبا، قادر على لعب دور محوري في تزويد الأسواق الأوروبية بالطاقة الخضراء ومشتقاتها، مستفيدا من مؤهلاته الطبيعية الكبيرة في مجال الطاقة الشمسية والريحية، ومن موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة وصل بين إفريقيا وأوروبا.
ويملك المغرب بالفعل عناصر قوة تجعله مؤهل للعب هذا الدور، إذ يتوفر على واحد من أعلى معدلات السطوع الشمسي في العالم، إضافة إلى إمكانيات هائلة في مجال الطاقة الريحية، خاصة بالمناطق الجنوبية والساحلية، كما راكم تجربة مهمة في مجال الطاقات المتجددة من خلال مشاريع كبرى مثل محطة نور للطاقة الشمسية، إلى جانب تطوير بنيات تحتية استراتيجية كبرى مثل ميناء ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح منصة لوجستية عالمية قادرة على دعم سلاسل التصدير والتبادل التجاري، غير أن الرهان المغربي لا يقتصر فقط على إنتاج الكهرباء النظيفة، بل يتجاوز ذلك نحو بناء منظومة صناعية متكاملة قائمة على تحويل هذه الطاقة إلى جزيئات خضراء قابلة للتخزين والنقل والتصدير، وهو ما يعكس وعي متزايد بأن القيمة الاقتصادية الكبرى في المستقبل لن تكون فقط في إنتاج الطاقة، بل في التحكم في سلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بها، ولذلك، يطمح المغرب إلى تطوير صناعات جديدة مرتبطة بالأسمدة الخضراء والنقل النظيف والصناعات الكيميائية منخفضة الكربون، بما يسمح بجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل وتعزيز التنافسية الاقتصادية.
كما يسعى المغرب من خلال هذا التوجه إلى تعزيز سيادته الطاقية وتقليص تبعيته للخارج، خاصة أن فاتورة الطاقة شكلت لسنوات عبئ كبير على الاقتصاد الوطني والتوازنات المالية، فالانتقال نحو الاقتصاد الأخضر لا يمثل فقط خيار بيئي، بل أصبح خيار استراتيجي وأمني واقتصادي، يهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار المحروقات، وفي الوقت نفسه تمكين المغرب من ولوج أسواق جديدة مرتبطة بالاقتصاد الأخضر العالمي.
وفي المقابل، فإن هذا المشروع الطموح يواجه تحديات معقدة تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة، وعلى رأسها إشكالية الماء، إذ إن إنتاج الهيدروجين الأخضر يعتمد على التحليل الكهربائي للمياه، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية في ظل الإجهاد المائي الذي يعرفه المغرب بسبب توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية، وبالتالي، فإن نجاح هذا الرهان يظل مرتبط بقدرة المغرب على تحقيق توازن بين متطلبات التنمية الطاقية والحفاظ على الأمن المائي والغذائي، كما أن المنافسة الدولية في هذا المجال أصبحت شديدة، حيث دخلت عدة دول بقوة إلى سباق الهيدروجين الأخضر، من بينها السعودية والإمارات ومصر وأستراليا وشيلي، وهي دول تملك بدورها إمكانيات طبيعية ومالية ضخمة، ما يعني أن المغرب مطالب بتسريع الإصلاحات وتحسين مناخ الاستثمار وتوفير التحفيزات الضرورية لجذب الشركات العالمية والتمويلات الدولية، حتى لا يفقد فرصة التموقع داخل هذه السوق الواعدة.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح المغرب في هذا الورش الاستراتيجي لا يرتبط فقط بتوفره على الشمس والرياح والمساحات الجغرافية المؤهلة لإنتاج الطاقات النظيفة، بل يظل رهين بقدرته على بناء رأسمال بشري وتكنولوجي قادر على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، فالاقتصاد الأخضر ليس مجرد انتقال تقني من الوقود الأحفوري إلى الطاقات المتجددة، بل هو تحول شامل في أنماط الإنتاج والصناعة والتدبير والبحث العلمي، ما يفرض على المغرب الاستثمار بقوة في المعرفة والابتكار والتكوين، حيث ان الجامعات ومراكز البحث العلمي ومؤسسات التكوين المهني اصبحت مطالبة بإعادة توجيه برامجها نحو التخصصات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والذكاء الطاقي والصناعات منخفضة الكربون، مع تشجيع البحث التطبيقي وربط الجامعة بالمقاولة والصناعة، حتى لا يظل المغرب مجرد فضاء لإنتاج الطاقة الخام، بل يتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار الصناعي المرتبط بالاقتصاد الأخضر، كما أن هذا التحول يقتضي خلق منظومة وطنية قادرة على تكوين مهندسين وتقنيين وخبراء يمتلكون الكفاءات الضرورية للتعامل مع التقنيات الحديثة، خاصة أن المنافسة الدولية في هذا المجال لن تحسم فقط بالإمكانيات الطبيعية، بل أيضا بمدى امتلاك المعرفة والتحكم في التكنولوجيا وسلاسل التصنيع المتقدمة.
ومن المؤكد أن المغرب يحاول اليوم إعادة رسم موقعه داخل الاقتصاد العالمي المتغير، عبر الانتقال من وضعية التبعية الطاقية التي أثقلت الاقتصاد الوطني لعقود طويلة، إلى منطق الإنتاج والتموقع الاستراتيجي داخل سلاسل القيمة العالمية الجديدة المرتبطة بالطاقة النظيفة، غير أن هذا الطموح، رغم أهميته، لن يتحقق فقط عبر الخطابات أو الإعلان عن المشاريع الكبرى، بل يتطلب رؤية صناعية واضحة ومندمجة، قادرة على تحويل الطاقات المتجددة إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالمغرب مطالب اليوم ببناء نسيج صناعي قوي مرتبط بالاقتصاد الأخضر، وتطوير بنيات تحتية حديثة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير حكامة فعالة تضمن سرعة تنزيل المشاريع ونجاعتها، إضافة إلى ضرورة تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية حتى تستفيد مختلف المناطق والفئات من عائدات هذا التحول الطاقي، كما أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبط بقدرة الدولة على خلق توازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية المصالح الوطنية، حتى لا يتحول الاقتصاد الأخضر إلى مجرد مجال جديد للتبعية الاقتصادية، بل إلى مدخل لتعزيز السيادة الوطنية وخلق الثروة وفرص الشغل وتحقيق استقلالية أكبر في القرار الاقتصادي والطاقي للمغرب داخل عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوة والنفوذ
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
