أعادت التحولات السياسية والاقتصادية التي تعيشها تونس منذ سنة 2021 رسم طبيعة علاقتها بالجزائر، بعدما تحولت المساندة المالية والطاقية التي قدمها النظام الجزائري إلى أداة نفوذ سياسي وإقليمي واضحة المعالم، دفعت كثيرين إلى الحديث عن انتقال تونس تدريجيا من موقع الشريك المتوازن إلى موقع الدولة الواقعة تحت ضغط الوصاية الناعمة القادمة من الجار الغربي.
ففي الوقت الذي تواجه فيه تونس واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والمالية منذ عقود، وجدت الجزائر فرصة ذهبية للتغلغل أكثر داخل القرار التونسي، مستفيدة من حاجة قيس سعيد إلى الدعم المالي العاجل، ومن تعثر المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى هشاشة الوضع الداخلي الذي جعل السلطة التونسية تبحث عن أي متنفس يضمن استمرار الاستقرار السياسي والاجتماعي.
غير أن هذا الدعم لم يكن يوما مجانيا أو منفصلا عن الحسابات الجيوسياسية للنظام الجزائري، الذي يسعى منذ سنوات إلى فرض هيمنته على الفضاء المغاربي، وتحويل دول الجوار إلى مناطق نفوذ تدور في فلك رؤيته الأمنية والسياسية.
الغاز الجزائري.. ورقة الضغط الأخطر
وأخطر ما في العلاقة الحالية بين تونس والجزائر هو الارتباط الطاقي شبه الكامل، إذ تعتمد تونس بشكل واسع على الغاز الجزائري الذي يُقدَّم في إطار اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد وبأسعار تفضيلية. هذا الواقع منح الجزائر سلاحا بالغ الحساسية يمكن استخدامه في أي لحظة للضغط على القرار التونسي أو توجيهه بما يخدم المصالح الجزائرية.
ولم تكتف الجزائر بورقة الطاقة، بل عززت نفوذها عبر القروض والودائع البنكية والدعم المالي المباشر للخزينة التونسية، في وقت كانت فيه البلاد على حافة أزمة مالية خانقة، الأمر الذي جعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى علاقة دائن سياسي بدولة تبحث عن النجاة بأي ثمن.
هذا الوضع كشف مرة أخرى طبيعة السياسة الجزائرية القائمة على استغلال هشاشة الجيران لبسط النفوذ الإقليمي، بدل بناء شراكات مغاربية متوازنة قائمة على التكامل الاقتصادي الحقيقي واحترام السيادة الوطنية.
انحراف الدبلوماسية التونسية عن الحياد التقليدي
وظهرت النتيجة المباشرة لهذا الارتهان المالي والطاقي بوضوح في التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية التونسية خلال السنوات الأخيرة، حيث تخلت تونس تدريجيا عن عقيدتها الدبلوماسية التقليدية القائمة على الحياد الإيجابي وعدم الاصطفاف، لتقترب أكثر من المواقف الجزائرية في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
ويبرز ذلك بشكل واضح في طريقة تعاطي تونس مع ملف الصحراء المغربية، حيث انتقلت من موقع التوازن التقليدي إلى مواقف اعتبرت أقرب إلى الرؤية الجزائرية، ما أثار توترا غير مسبوق مع المغرب، وأدخل العلاقات المغاربية في مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد.
كما بدا واضحاً أن الجزائر تسعى إلى تحويل تونس إلى امتداد دبلوماسي لمواقفها الإقليمية، خاصة في ظل العزلة السياسية التي تعانيها الجزائر على المستوى المغاربي والإفريقي بسبب استمرارها في تغذية النزاعات الإقليمية وتبني مقاربات عدائية تجاه وحدة الدول واستقرارها.
نظام يبحث عن النفوذ لا عن التكامل
واللافت أن الجزائر، بدل أن تستثمر ثقلها الاقتصادي والطاقي في بناء اتحاد مغاربي قوي، اختارت منطق الهيمنة السياسية وشراء الولاءات الإقليمية، في محاولة لإحياء دور الشرطي الإقليمي الذي فقدته تدريجيا بسبب أزماتها الداخلية وفشل نموذجها السياسي القائم على عسكرة القرار وتغليب الحسابات الأمنية على التنمية.
فالسلطة الجزائرية لا تنظر إلى تونس كشريك استراتيجي مستقل، بل كمنطقة عازلة يجب إبقاؤها تحت السيطرة، خوفاً من أي تقارب تونسي مع قوى إقليمية منافسة، وعلى رأسها المغرب، الذي بات يحقق اختراقات دبلوماسية واقتصادية متسارعة داخل إفريقيا والمتوسط.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية الجزائرية المفرطة تجاه أي حديث عن انفتاح تونسي على الرباط، أو بناء شراكات اقتصادية جديدة خارج المظلة الجزائرية، لأن ذلك يعني عملياً تراجع النفوذ الذي راكمته الجزائر داخل تونس خلال السنوات الأخيرة.
هل تستطيع تونس استعادة استقلال قرارها؟
رغم حجم النفوذ الجزائري الحالي، فإن تونس ما تزال تمتلك أوراقا مهمة تسمح لها باستعادة جزء كبير من استقلالية قرارها، إذا نجحت في تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية وتنويع شركائها الدوليين والإقليميين.
فالبلاد تملك موقعا جيوسياسيا بالغ الأهمية في قلب المتوسط، ما يجعل استقرارها مصلحة أوروبية مباشرة، خاصة بالنسبة إلى إيطاليا وفرنسا، في ظل المخاوف المرتبطة بالهجرة والأمن والطاقة.
كما أن تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الطاقات المتجددة، إلى جانب إعادة الانفتاح على الخليج والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية، يمكن أن يقلص تدريجيا من الارتهان للغاز والدعم الجزائري.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهينا بوجود إرادة سياسية تونسية قادرة على التحرر من منطق إدارة الأزمة بمنطق المسكنات، والانتقال نحو بناء نموذج اقتصادي مستقل يعيد للدولة هامش المناورة الذي فقدته خلال السنوات الأخيرة.
الجزائر تخشى مغربا قويا وشراكات مغاربية متوازنة
ما تخشاه الجزائر فعليا ليس فقط فقدان نفوذها داخل تونس، بل انهيار المشروع الإقليمي الذي تحاول بناءه على أساس الهيمنة الأمنية والولاءات السياسية.
فأي تقارب تونسي مغربي، أو عودة تونس إلى سياسة التوازن الحقيقي، سيشكل ضربة قوية للمشروع الجزائري القائم على عزل المغرب إقليميا ومحاصرة نفوذه المتصاعد في إفريقيا والمتوسط.
ولهذا تبدو الجزائر مستعدة لاستخدام كل أوراق الضغط الممكنة، من الغاز إلى الحدود والدعم المالي، من أجل إبقاء تونس داخل دائرة النفوذ وعدم السماح لها بالتحول إلى شريك مغاربي مستقل ومتوازن.
وفي المحصلة، فإن معركة تونس الحقيقية اليوم لم تعد فقط اقتصادية أو مالية، بل أصبحت معركة سيادة واستقلال قرار وطني، في مواجهة نفوذ إقليمي متزايد يحاول تحويل الأزمة التونسية إلى فرصة لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة على المقاس الجزائري.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
