آن للحج أن تتنفس الفن!!!
بقلم: د. أمين العلياني
حين تُشرَع أبواب التاريخ على مصراعيها، لا يعبر المرء إلى فضاء عابر، بل يلج سحيق الذاكرة حيث تستحم الروح في أنهار من ضوء، وتغتسل من غبار السأم برحيق الجمال المتدفق من ينابيع الفن الأصيل. وفي صبيحة هذا السبت المشرق، وجدت نفسي أدلف إلى رحاب كلية ناصر للعلوم الزراعية، لا ألتمس علمًا زراعيًّا ولا أبتغي درسًا أكاديميًّا، بل كنت على موعد مع ما يشبه الولادة الثانية للذائقة، حيث أقامت مؤسسة "سطور الثقافية" معرضها الفني الباذخ "ألوان وأنغام من لحج"، ذلك المعرض الذي جاء بدعم كريم من الاتحاد الأوروبي عبر معهد جوته وشركاء الاتحاد لمنح المراكز والمؤسسات الإبداعية، وبدعوة كريمة خصتني بها مديرة المشروع الأستاذة شيماء باسيد، مديرة مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمديرية الحوطة عاصمة محافظة لحج، تلك المرأة التي تقرأ المستقبل من عيون الحالمين، وتبني بالكلمة الصادقة جسورًا من نور تعبر فوق مستنقعات اليأس.
وما إن وطئت قدماي أرض المعرض، وبدأت عيناي رحلتهما المتأملة بين جنبات الصور الإبداعية واللوحات الفنية، حتى أحسست أن ثمة يدًا خفية تنتشلني من صخب الحاضر وترميني في أحضان حقبة موغلة في المجد، حقبة السلطنة العبدلية التي ما كانت مجرد كيان سياسي عابر في دفتر الزمن، بل كانت مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا، نسيجًا فريدًا حاك خيوطه من البناية والعمارة، ومن الملبس والتطريز، ومن الزراعة والطبخ، ليصنع هوية لحجية متكاملة الأركان، مكتملة الملامح، عصية على النسيان أو التشويه. إنها الهوية التي تتجلى اليوم، بعد طول غياب وكثيف غبار، في أعمال هؤلاء الشباب الذين انتفضوا على واقع مثخن بجراح الحرب، وأعلنوا بعناد العاشقين أن ثمة ما يستحق الحياة، وأن للفن دينًا في أعناقهم لن يسقط بالتقادم، وأن الوقت قد آن كي تتنفس لحج الفن بعد طول اختناق، آن لها أن تخلع عنها أردية الرصاص وتلبس أثواب النور، آن لها أن تتصالح مع روحها الجميلة التي ظلت أسيرة في أقبية النسيان والخوف.
وهنا يتردد في خاطري صدى الأمير الشاعر أحمد فضل القمندان، حين أنشد للحج بلسان العاشق المتيّم، وكأنه كان يستشرف هذا الحراك الثقافي من وراء حجب الزمن:
يا لحج يا أرض الهوى والعشق والغزلِ
يا جنة الخلد التي في حسنها مثلي
ويقول في موضع آخر، وكأنه يخاطب هؤلاء الشباب الذين حملوا الراية من بعده:
لحج الجميلة كم لها في القلب من عشق
وكم لها في خافقي من لاعج الأرق
إنها الكلمات ذاتها التي تتردد في جنبات المعرض، وتنطق بها الصور واللوحات بلسان الحال لا بلسان المقال، وكأن روح القمندان تحلق في ذلك الفضاء، تبارك هذا الحراك، وتشد على أيدي هؤلاء الشباب الذين أعادوا للحج بعضًا من بريقها المسلوب.
ولقد أدركت، وأنا أتنقل بين تلك الأعمال الفنية التي لا تشبه بعضها إلا في الجودة والإتقان، أن ما يجري ليس مجرد معرض يُقام ثم يُطوى، بل هو حراك ثقافي متكامل تضطلع به مؤسسة "سطور الثقافية" بقيادة رئيسها المتألق الأستاذ أيمن السقاف، الذي استطاع مع فريقه المخلص أن يحوّل الحبر والريشة والعدسة إلى جنود مكافحة للخراب، وإلى منابر صامتة تخطب في وجدان المتلقي لغة لا تشبه لغات الخطاب المباشر، بل تتسلل إلى الأعماق كنسمة الفجر الندية، فتوقظ ما خدرته سنون القحط الثقافي، وتعيد للذاكرة الجمعية صورة لحج التي كانت يومًا منارة للفن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
