عودة إلى زمن مضى.. بقلم: د. يعقوب يوسف الغنيم

كلما عدنا إلى الماضي وجدنا فيه كثيرا مما يسعدنا، لأننا سنرى الناس متآلفين ومتعاونين ليس بينهم تنافس يضر بانسجام الحياة بينهم أو يؤثر سلبا على المودة السائدة، وبدلا من أن نجد بينهم ما يقطع صلاتهم ببعضهم فإننا نجد في أولئك الذين ذهبوا عن دنيانا رجالا يتصفون بصفات كريمة عالية وصفها شاعر الكويت الشعبي فهد بورسلي فقال:

الله واكبر يا زمانٍ مضى احْلوم

كِلَّهْ وِفا والجار يحلف بْجاره

مِتْكاتفين ابكْل داعي ومرسوم

اعمارهم راحتْ علينا خسارة

ياما انقذوا باموالهم كل مظلوم

بذراعهم ياما اقهروا كل غاره

صارت عمايلهم حچايات وعْلوم

نمشي ابسيرتهم ولامن نِماره

وبطبيعة الحال فإن ذلك الوقت الذي كان فيه عندنا أمثال هؤلاء الأفاضل المتعاونين المتآلفين قد عاش فيه في غير بلادنا اناس على هذه الشاكلة يحتفظون بالمودة لغيرهم، ويقيمون أطيب الصلات مع بعضهم، ونخص بالذكر من هؤلاء أبناء الوطن العربي.

وفي غير هذا المجال فإن أمور الحياة امام الجميع ميسرة، على حين كانت الموارد ضيقة، ولكنهم مضوا على الأسلوب الذي اختاروه لأنفسهم، متحلين بالقناعة والصبر والرضا بما قسم الله لهم.

وهناك جوانب كثيرة أخرى تلحظ في طريق الحياة الإنسانية ولكنها تصب ـ كلها ـ في مجال المفارقة بين الماضي والحاضر.

عدت ـ أخيرا ـ إلى قراءة العدد الصادر في اليوم الأول من شهر يناير لسنة 1949 من مجلة «الهلال» المصرية، فوجدت فيه دلائل كثيرة جعلتني على يقين بما أظنه من فرق بين الطبائع البشرية في الماضي والحاضر.

دعك من الأمور التي فرضتها ظروف الحياة الحديثة، والتغيرات التي جرت بمرور الزمن، وكان من مؤثراتها: الاختراعات، وتطوير المواصلات بما جعل المسافة قريبة بين البلدان. وسهل نقل المعلومات والأخبار من أي مكان في العالم إلى أقصى مكان فيه، وهي أمور لا شك في أن لها أثرها في تغيير صورة المجتمع، وكم كنت أتمنى أن لا يكون هذا التغيير ماسخا لجمال الحضارة، وسمو الثقافة، وروعة الصفاء الذي كان يسود المجتمعات البشرية.

كانت مجلة «الهلال» من أهم المجلات المصرية، وأكثرها عناية بالثقافة بمعناها العام، والأدب بفنونه المختلفة، وكانت تستكتب كبار الأدباء والعلماء ثم تنشر لهم ما يكتبونه بلا تردد، وقد عرف لها قراؤها ذلك ومن أجله فهم ينتظرونها عندما تشرق في أول كل شهر، حيث يكون هؤلاء القراء في انتظارها في شتى أنحاء الوطن العربي، وبذا فهي في ذلك الوقت الذي بدأت بالصدور خلاله جامعا لأبناء هذه الأمة حول ما يرون فيه من معلومات وبحوث.

ومما ينبغي أن يذكر أن مؤسس هذه المجلة هو جورجي زيدان، وكان قيامه بتأسيسها في سنة 1982 حين أصدر العدد الأول منها.

وقد كان رئيس تحريرها في البداية هو د.أحمد زكي، وهو رجل جمع بين العلم والأدب، له عدة مؤلفات في هذين المجالين، وله مكانة في مجال التنوير لا تنسى.

ود.أحمد زكي معروف بأنه كيميائي مصري، مؤسس لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في وطنه مصر، وهو ـ أيضا ـ علم من أعلام النهضة الأدبية والصحافية في مصر والوطن العربي كله.

ولد في سنة 1884، وتوفي في سنة 1975.

وقد حضر د.أحمد زكي إلى الكويت في سنة 1955 مشاركا في الموسم الثقافي الذي كانت دائرة معارف الكويت تقيمه في كل عام، فشارك في إلقاء بعض المحاضرات كغيره مع كبار العلماء والأدباء الذين حضروا من أجل هذا الموسم وشاركوا فيه.

ثم عاد بعد ذلك إلى الكويت بناء على رغبة من حكومتها، وذلك من أجل المشاركة في إصدار مجلة «العربي» الشهيرة، وصار رئيسا لتحريرها منذ أن صدرت في شهر ديسمبر لسنة ١٩٥٨، حتى غادر الكويت في سنة 1975، وهي السنة التي توفي خلالها في وطنه: مصر.

وكان د.أحمد زكي قد افتتح العدد الأول من مجلة «العربي» التي كانت تقرأ في كل بلاد العرب بعبارة تدل على أهدافها، وتعبر عن توجهاتها فقال:

«باسم الله نفتتح هذا الحديث الأول، وباسم العروبة خالصة، بحتة محضة، نخط أول سطر يقع عليه البصر في هذه المجلة الوليدة.

وأسميناها مجلة «العربي»، وما كان اسم بواف بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي كله، ورؤوس نسائه، من معان، وما تستدفئ به قلوبهم من آمال وأماني، كاسم (العربي)، في حسمه وإيجازه».

ومما يسعدني هنا أن أعود بذاكرتي إلى زمن مضى، وكان زمنا رغدا كما قال الشاعر العربي، فأذكر أنني قد نلت حظ حضور المحاضرات التي ألقاها الدكتور أحمد زكي إبان الموسم الثقافي هنا في الكويت، واستمعت إليه مبهورا بعلمه، ودقة تعبيره، وإحاطته بالموضوعات التي يتحدث حولها.

ثم سعدت عندما قمت بتدريس كتابه «سلطة علمية» في السنة الدراسية 1961 ـ 1962، بمدرسة الشويخ الثانوية، وكانت استفادتي بما ورد فيه من معلومات تضارع ما استفاده طلابي آنذاك.

وأسعدني الحظ مرة أخرى بمزاملة هذا الرجل المهم عندما تم انتقالي في نهاية السنة الدراسية التي أشرت إليها من وزارة التربية إلى وزارة الإرشاد والأنباء (الإعلام حاليا)، وكان ذلك تحقيقا لرغبة أستاذي الكريم أحمد السقاف، رحمه الله.

وفي هذه الفترة كنت على صلة بالدكتور أحمد زكي، حيث كان مقر عمله في ديوان الوزارة، فصرت كثير التردد عليه والاستفادة منه ومن حديثة الذي لا يخلو من فائدة، بل هو فائدة كله.

(هنا اذكر مقالي الذي نشر في 29/10/2008، تحت عنوان: د.أحمد زكي في الكويت، وذلك ضمن مقالات: الأزمنة والأمكنة).

***

أعود الآن إلى مجلة الهلال التي بدأت حديثي هذا عنها، ثم أخذني السياق إلى الدخول في اتجاهات لا أظن أنها غير مقبولة.

أنا الآن اتصفح العدد الذي أشرت إليه من قبل، فأجد أن أول مقال احتوى عليه بعد مقال رئيس التحرير الذي يكون عادة في البداية، مقال كتبه رجل له مكانته العلمية والاجتماعية وقد قدمت المجلة لمقاله هذا بكلمة فيها تقدير وإعجاب، وكان يستحق ذلك لما له من مكانة علمية في بلده مصر وفي الوطن العربي كله.

قدمت المجلة للمقال المذكور بالعبارة التالية «تفضل معالي د.عبدالرزاق السنهوري باشا فقدم هذا العدد بهذه الكلمة القيمة التي تضمنت رأيا نفيسا، وتوجيها رشيدا للجيل الجديد».

وكان د.السنهوري يومذاك وزيرا للمعارف (وزارة التربية والتعليم فيما بعد)، وكانت له إلى جانب مكانته العلمية مكانة اجتماعية بارزة استحق بها لقب «باشا»، وهو من ألقاب التكريم التي كانت سائدة قبل ثورة سنة 1952 بمصر.

وهو من أبرز رجال القانون في القرن العشرين، ولد في سنة 1895، وتوفي في سنة 1971، ومن أجل بروزه في عالم القانون، أطلق عليه لقب «عميد الفقه والقانون» وعرف بذلك في مصر والوطن العربي، كما كان يطلق على د.طه حسين لقب عميد الأدب العربي.

أسهم د.السنهوري باشا في إنجاز أعمال قانونية مهمة في مصر وفي خارجها، وكان قد تلقى دراسته في جامعة القاهرة، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في القانون من باريس.

وهو رئيس مجلس الدولة المصري حتى سنة 1954.

وشارك في كثير من اللجان، وله عدة مؤلفات في تخصصه.

واستفادت الكويت بخبراته حين دعته خبيرا قانونيا في الفترة ما بين سنتي 1950 و1960، وكانت الكويت ـ وقتذاك ـ على أبواب الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل تاريخها، وذلك لأنها كانت في مرحلة تمهيد يتم به الانتقال خلالها إلى وضع جديد للغاية، إذ كانت على وشك إلغاء الاتفاق التعاقدي الذي تم بينها وبين بريطانيا في سنة 1899، وقد تم ذلك بالفعل في اليوم التاسع عشر من شهر يونيه لسنة 1961، حيث ألغي ذلك الاتفاق التعاقدي بين البلدين بتوقيع الطرفين عليه.

فكان أمر تهيئة الأجواء له من أجل التقدم إلى طلب عضوية هيئة الأمم المتحدة أن تجري مراجعة للقوانين السارية، واستحداث ما تدعو الحاجة إليه من الأنظمة، وقد جرى ذلك باهتمام كبير من أمير البلاد آنذاك سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، وكان حضور د.عبدالرزاق السنهوري باشا من اجل الإسهام بهذا العمل القانوني والتنظيمي، وقد بقي في الكويت إلى حين انتهاء مهمته.

***

اختار د.السنهوري لمقاله الذي نشرته له مجلة «الهلال» كما ذكرنا، عنوانا هو «الجديد والقديم»، وعندما وقع نظري على العنوان تساءلت ـ لأول وهلة ـ بيني وبين نفسي: لم جعل الدكتور الجديد أولا والقديم ثانيا، بينما واقع الأمر يخبرنا أن القديم هو الأول، فلم لم يتبع الدكتور هذه القاعدة الزمنية التي درج عليها الناس جميعا، وهي الواقع بالفعل؟

ولقد فوجئت به ـ بعد أن استأنفت قراءة المقال ـ وهو يجيب عن هذه الجزئية إجابة غير مباشرة، ولكنها كافية ومقنعة، فيقول:

«وقد كنت أحب أن أقصر عنوان هذه الكلمة على الجديد دون أن أضيف إليه القديم، فأحاكي بذلك عنوان العدد الممتاز نفسه (يقصد عدد مجلة «الهلال»)، ولو طاوعت شعوري لفعلت.

ولكنني فكرت قليلا..

ففكرت أولا في أنني أقدم لكل ما اشتمل عليه العدد من آراء ونزعات، وفيها انتصار للقديم وللجديد.

وفكرت ثانيا في أن الجديد لا يقوم إلا على القديم، ولولا القديم لما كان هناك جديد.. فليس من الإنصاف أن أخص الجديد بالذكر دون القديم. وفكرت أخيرا في أن جديد اليوم سيكون القديم في الغد. إذن! سأفرض الجديد والقديم معا. فإن حديثي عن القديم لا يقل عنه شغفي بالجديد».

هكذا فلسف المسألة، وهكذا فكر. فكيف كان ذلك:

إنه كان يفكر في كتابة مقال لعدد جديد (ممتاز) من أعداد مجلة «الهلال»، يصدر بمناسبة إطلال سنة جديدة من سنوات صدورها، وذلك بناء على طلب هيئة التحرير، وقد وجد هذه المناسبة تقتضي أن يكتب عن الجديد.

ثم فكر في أن الجديد لا يقوم إلا على القديم، ولولا القديم لما كان هناك جديد فليس من الإنصاف إقصاء أحدهما عن الآخر.

وفكر للمرة الثالثة فوجد أن قديم اليوم كان بالأمس جديدا، وأن جديد اليوم سيكون في الغد قديما، فهما متلازمان إذن!

ومن أجل ذلك فقد صح عزمه على أن يكون حديثه شاملا لهذين المتلازمين: القديم والجديد في مقال واحد. وقد كان:

وفي هذا يقول:

«الجديد قوي وثاب، ونحن أمة في أشد الحاجة إلى القوة والوثوب، قديمنا رث مهلل، فينبغي أن ننزعه، وأن نتقدم إلى هذا العالم الجديد في ثوب جديد، جربنا المشي الوئيد والعالم يجري ركضا، فإذا بنا تخلفنا عن الركب وصرنا مسبوقين بعد أن كنا سابقين».

ثم يتساءل:

«فما بالنا نستمسك بهذا القديم البالي؟ بل ما بالنا نطمع في أن نعيش بعقول القرون الوسطى ونحن في حضارة القرن العشرين؟

ثم يتساءل مرة أخرى:

أليس نسخ الجديد للقديم هو التطور؟

أليس التطور هو ناموس الحياة؟

ويضيف:

هذا هو لسان الجديد فينبغي أن نسمعه خاشعين، فللجديد سلطان مرهوب.

وكان الكاتب قد أشعرنا بوجود صراع حاد بين القديم والجديد، ولكنه عاد إلى التساؤل بعد أن عرض وجهتي النظر:

لمن الغلبة في هذا الصراع؟

هنا تأتي إلى خلاصة ما أراد ذكره في مقاله هذا. ولكننا نراه لا يحسم أمره بالوقوف مع واحد من هذين الطرفين دون غيره، بل إنه ليرى أننا لا نزال في حاجة إلى القديم، كما نحن في حاجة إلى الجديد، فالجديد لا يلغي القديم أبدا، فهما نمطان من أنماط الحياة، لا صراع بينهما، فهما متعاونان، يأخذ الجديد منهما خبراته من القديم ويستفيد منه في هذا الشأن.

هذه هي طبيعة الحياة، وهذا ما جعل الكاتب يعرض القديم والجديد معا، وفي هذا يقول: فإن حنيني إلى القديم لا يقل عن شغفي بالجديد. ثم يصف الجديد، ونزاعه مع القديم، وكأنهما خصمان متعارضان فيقول:

«وللجديد سلطانه المرهوب، وله جلال تطأطئ له الرؤوس، وله جمال تخفق له القلوب وهو ـ أبدا ـ في صراع مع القديم.

ثم يتساءل: لمن الغلبة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأنباء الكويتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأنباء الكويتية

منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 21 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
صحيفة الراي منذ 8 ساعات
صحيفة القبس منذ ساعتين
صحيفة القبس منذ ساعتين
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 9 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 9 ساعات
صحيفة القبس منذ 7 ساعات
صحيفة القبس منذ ساعتين
صحيفة الراي منذ 3 ساعات