أبعاد حملة ألبوكيرك لغزو عدن 1513م

إعداد: م. فضل علي مندوق

أولاً: حصار عدن والعمليات العسكرية الهجومية

في السادس والعشرين من مارس لعام 1513م، أصدر حاكم الهند البرتغالية، السير أفونسو دي ألبوكيرك (Afonso de Albuquerque)، أوامره بالتحرك الميداني صوب أسوار مدينة عدن، دافعاً بقوة هجومية قوامها ثلاث مجموعات قتالية للاقتحام، تضم كل مجموعة منها 600 مقاتل مجهزون بأربعة سلالم تسلق، جرى توزيعهم للاندفاع نحو موقعين استراتيجيين: سور الواجهة البحرية، والمقتربات المتاخمة للبوابة الرئيسية لمدينة عدن [1].

تشير التقارير الرسمية التي خلفها ألبوكيرك إلى أن العوائق الهيدروغرافية وطبوغرافيا الميناء فرضت على القوة البرتغالية الإنزال في نقاط جغرافية متباعدة نسبيًا عن الأسوار، الأمر الذي أسفر عن تبلل البارود وتضرر الأسلحة النارية [1]. وبناءً على التحليل الجغرافي العسكري، فإن القوة المهاجمة استهدفت "السور البحري" الممتد من الخط الساحلي على طول محور جبل المنظر وجبل حقات، وهو الخط الدفاعي المحصن الذي وثقته المصورات التاريخية اللاحقة، لا سيما الرسم الشهير الوارد في مصنف غاسبار كوريا (Gaspar Correia) الموسوم بـ «أساطير الهند» (Lendas da ndia)، والذي شُيّد أساساً لصد أي اختراقات بحرية قادمة من الممر الشمالي لخليج حقات [2].

في المقابل، تفيد المصادر المحلية المعاصرة للحدث بمسارات عسكرية موازية؛ إذ يذكر مؤلف كتاب «تاريخ شنبل» أن القوة البرتغالية تمكنت من ولوج الثغور عبر "باب مكسور" (وهي البوابة التي كانت تُعرف تاريخياً بـ "باب السيلة") [9]. وكانت هذه البوابة تشغل في القرن الخامس عشر موقعاً متوسطاً في السور البحري لجبل المنظر وجبل حقات، والذي كان يضم منظومة من البوابات المبنية من الحجر والملاط، وهي: (باب الصناعة، باب الحومة، باب السيلة، باب الفرضة، باب الساحل، وباب السر) [9]. وفي سياق متصل، يوثق المؤرخ بافقيه في «تاريخ الشحري» الاستهداف العسكري البرتغالي عند "جزيرة صيرة" [10].

لقد شابت العمليات الهجومية حالة واسعة من الفوضى التكتيكية؛ نتيجة تعذر إنفاذ الأوامر القيادية والشرخ الدبلوماسي والعسكري بين ألبوكيرك وقادة أسطوله الذين شككوا في جدوى قراراته [7]. أما من الناحية اللوجستية، فإن سلالم التسلق المصنوعة في "كوتشين" (Cochin)، والتي صُممت لاستيعاب ستة جنود في الصف الواحد، تبين أنها كانت قصيرة دون الارتفاع المطلوب، وسرعان ما انكسرت تحت وطأة التكدس البشري، مما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في الأرواح بلغت 40 قتيلاً في صفوف البرتغاليين [3]، بينما بالغت المصادر العربية بتقديرها بنحو 200 قتيل [10]، وحصرتها التقارير الإيطالية المعاصرة في 160 قتيلاً [5].

وعلى الرغم من نجاح 50 جندياً برتغالياً في ارتقاء ذروة الأسوار، إلا أنهم وقعوا في كمين تكتيكي داخل أزقة المدينة التي أغلقتها الحامية العدنية بالمتاريس الخشبية المدعومة بقطع المدفعية [3][8]. ورغم سيطرتهم المؤقتة على برج صغير (Cubelo)، إلا أن المدافعين أضرموا فيه النيران، مما أجبر المهاجمين على الانسحاب الفوضوي [3]. وحاول ألبوكيرك تدارك الموقف بشن هجوم تمويهي خاطف على جزيرة صيرة، أسفر عن تدمير تحصيناتها ومصادرة 36 قطعة مدفعية، بيد أن هذا المنجز الميداني المحدود لم يغير من المحصلة الاستراتيجية الإجمالية، واضطر البرتغاليون إلى الجلاء [3].

ثانياً: التداعيات السياسية والمعادلة الجيومناخية للبحر الأحمر

شكل الإخفاق العسكري في عدن نكسة سياسية بالغة الأثر لألبوكيرك، مفسحاً المجال لخصومه السياسيين في بلاط لشبونة وحكومة غوا لانتقاد استراتيجيته الإمبراطورية [6][7]. وكان الحاكم على دراية تامة بالحدود الزمنية الحرجة للعمليات؛ إذ لم يكن بمقدور الإمدادات اللوجستية وتوفر مياه الشرب والمؤن الصمود لأكثر من خمسة عشر يوماً، لا سيما مع التحول الوشيك في نظام الرياح [1][4].

فقد اندلعت الحملة بين شهري مارس وأبريل، وهي الحقبة المؤذنة بانقراض الممر المناخي المواتي للإبحار شمالاً وتجاوز مضيق باب المندب. وتحت وطأة الرياح الموسمية الشمالية الشرقية للمحيط الهندي، تنشط رياح جنوبية-جنوبية شرقية في الفترة من أكتوبر إلى أبريل جنوب خط عرض 18 درجة شمالاً، لتتجاوز الدرجة السادسة على مقياس بوفورت (Beaufort 6) عند المضيق. ومع حلول الفترة من مايو إلى سبتمبر، تنقلب الآية لتسود رياح شمالية غربية وشمالية عاتية تتسبب في هيجان البحر، مما يحظر على السفن البرتغالية الضخمة الإبحار صعوداً نحو شمال البحر الأحمر، باستثناء المراكب المحلية الخفيفة المعروفة بـ "الجلبة" (والجمع: جِلاب) [4]. وكما استقر في أدبيات الملاحة القديمة، فإن التهديد الأبرز لحركة الأساطيل في البحر الأحمر يكمن في تلك الرياح المفاجئة والعنيفة التي تعصف بالممرات المائية الضيقة المليئة بالأرصفة المرجانية والجزر [4].

وأمام هذه الحتمية الجيومناخية وانحسار الرياح الشرقية، شرع ألبوكيرك في سباق مع الزمن؛ فبعد أن رفع تقريراً استراتيجياً إلى الملك مانويل الأول يؤكد فيه على المزايا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ 48 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 7 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 18 ساعة
عدن تايم منذ 7 ساعات
عدن تايم منذ 19 ساعة
عدن تايم منذ 9 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
عدن تايم منذ 9 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 18 ساعة