بقلم: الراهبة/ جوليت جابل
ترجمهُ بتصرف: أنور الخنجري
صباحُنا اليوم لا يشبه سائر الصباحات؛ فبدل أن أعتلي المنبر لأعظ، سآخذكم معي إلى حيث اتّسع صدري وضاقت لغتي. إلى أرضٍ هزّتني، وبلّلت مآقيَّ، وردّتني إلى داري وقلبي أثقل إيمانًا مما ارتحل به. خذوا بأيديكم، فإني ماضيةٍ بكم إلى عُمان.
في شهر يناير من هذا العام، وبدعوة ثقافية من مركز الأمانة في مطرح، حظيتُ بشرف السفر إلى عُمان ضمن وفدٍ من القساوسة والشيوخ وأبناء مجمعنا الكنسي في وادي هدسون بولاية نيويورك الأمريكية. كنا وفدًا صغيرًا من الكنيسة، نحمل فضولنا وإيماننا وأسئلتنا، ونمضي نحو بلدٍ مسلم لم نعرفه إلّا من بعيد. ظننت أنني ذاهبة لأتعرّف إلى ثقافة أخرى وإيمان آخر، لكنني اكتشفت أن الإنسان حين يقترب حقًا من الآخر، يقترب- بطريقة ما- من نفسه أيضًا.
عُمان... تلك الدُرَّة الوادعة في خاصرة الجزيرة العربية، تحدّها السعودية والإمارات واليمن من ثلاث جهات، ويحدّها البحر من جهة الروح. أرضٌ تبدو كأنها خرجت من كتابٍ قديم. جبالها شاهقة كأنها تحفظ أسرار القرون، وصحراؤها تمتدّ بلا نهاية، كأن الله ترك فيها أثر يده الأولى. بلدٌ مسلمٌ، هادئٌ، متزنٌ، معروفٌ بكرم ضيافته وروح التعايش التي تسكن تفاصيله اليومية.
تسعةُ أيامٍ فقط... بدت وكأنها عمرٌ كامل من التأمُّل والدهشة. طفنا بجامع السلطان قابوس الأكبر؛ حيث يركع كل شيء لله الخالق، ووقفنا في كلية الشريعة حيث تُتلى الحكمة، ومشينا في المتحف الوطني حيث يتنفّس التاريخ، ومررنا بالقصر السلطاني حيث يسكُن الجلال. صلّينا في الكنيسة البروتستانتية بعُمان، وولجنا بيوت عبادةٍ شتّى، وذُقنا الحياة العُمانية كما تُشرب القهوة: على مهلٍ، وفي حضرة الناس. سمعنا عن الإسلام، وعن الحوار حين يصير جسرًا للسلام. تقاسمنا الخبز والملح مع أهل الدار، وجلسنا في مجالسهم فإذا القلوب تُفتح قبل الأبواب.
حضرنا محاضرات عن الإسلام وعن دور الحوار بين الأديان في بناء السلام، وتشاركنا الوجبات مع السكان المحليين، وشاركنا في جلسات ثقافية مع مضيفين عُمانيين. وأول ما سلب لبّي: كرمٌ لا يُشترى. فما إن حطّت أقدامنا، حتى استقبلونا كأبناء الدار، وكأن الأبواب كانت تنتظرنا منذ زمن. الكرم عندهم ليس أدبَ مجاملة، بل فريضةُ روح، ذقنا منهم لطفًا يُسكب بلا حساب، ويُهدى بلا منّة.
دخلنا بيتًا فإذا به وطن. صاحب الدار وابنه يخدماننا ببِشرٍ كأننا نزلنا من السماء، والزوجة في المطبخ، تصنع وليمةً لأناسٍ لم ترهم قط. جلسنا على الأرض، وأكلنا بأيدينا، فإذا بالغربة تُنسى، وإذا بالتواضع يصير تاجًا. رأيتُ بيتًا يُفتح، فكأنما فُتحت لنا أبواب السماء. كرمٌ توارثته الأكفّ، وسقته التقاليد جيلًا بعد جيل.
وفي السوق آهٍ من السوق! التقينا شاه، الكشميريّ الذي يخبئ العالم في حانوتٍ صغير. والسوق ليس مركزًا تجاريًا عصريًا من زجاج، بل قلبٌ ينبض بالحياة منذ مئات السنين. هنا تُباع السلع وتُشترى، وهنا تُحكى الأخبار وتُعقد الأواصر. وما إن عبرنا عتبته حتى استقبلنا كأننا دمه ولحمه. وقبل السلام، مدّ لنا كأس كرك. والكرك قصيدةٌ من شاي وحليبٍ وهيل، دفءٌ يمشي في العروق، وحلاوةٌ لا تفضحها السكّرة. خرجنا إلى السوق ثانيةً، فإذا سلال البهارات جبالٌ من لون: قرمزيٌّ يصرخ، وذهبيٌّ يهمس، وأسمرٌ يبوح. واللبان عطرٌ يمشي في الهواء، كأنه صلاة. وعند الظهيرة، يضع الباعة عصا على الباب ويمضون لتناول الغداء. لا قفل، لا خوف. عصا، وثقةٌ عمرها أجيال. مشهدٌ أسكت فيّ كل ضجيج.
وفي كل دربٍ وطئناه، كانت القهوة العُمانية والتمر الرطب في استقبالنا. طقسٌ يقول: أنت هنا مُكرَّم. ذقتُ التمر الطازج لأول مرة، فإذا به حريرٌ على اللسان، وغيمٌ في الحلق. لن أجد له شبيهًا. قد تظنّه تفصيلًا صغيرًا، لكنه حين يتكرر عند كل باب، يصير لغةً تقول إن الضيافة ليست طعامًا، إنها اتّساع صدر، وإجلالٌ للآتي إليك.
والإيمان في عُمان خيطٌ من ذهبٍ في نسيج اليوم. خمس مرات، يرتفع الأذان لا من آلة، بل من حنجرةٍ حيّة، ينساب كأنه غناءٌ سماوي. وقفتُ أسمع، فتذكرتُ كم نعدو في أيامنا ولا نقف لله وقفة. هناك، تتوقف المدينة لتصلّي. العبادة وقار، والصلاة عادة، والإيمان مرئيٌّ كالشمس.
زرتُ معابد لله، مختلفة الأسماء، متجاورة الجدران: معبدٌ هندوسيّ، وكنيسةٌ كاثوليكية، وأخرى أرثوذكسية هندية، والكنيسة البروتستانتية. صلواتٌ شتّى، وقلوبٌ شتّى تسعى إلى السماء ذاتها. رؤية بيوت الله متجاورة هكذا، جعلني أدرك أن الاختلاف لا يعني الخصام.
في المعبد الهندوسي، غمرني اللون. مذابح تزدان بالزهور والفاكهة، كأنها عرائس. خشوعٌ يقطع الأنفاس. استقبلونا بفرح، وطافوا بنا يشرحون لنا صور كريشنا على الجدران. وقفتُ أرى أناسًا ينحنون لما يقدّسون، فأدركتُ أن الشوق إلى الله واحد، وإن اختلفت السبل.
وفي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
