مصدر الصورة: Getty Images
رغم أن من المعروف على نطاق واسع أن زيادة المضغ تحسن عملية الهضم، تشير أبحاث إلى أنها قد تعزز نشاط الدماغ، وربما تساعد حتى في الوقاية من مرض ألزهايمر.
وبسبب مضغه حبة كراث 722 مرة قبل ابتلاعها، لُقب هوراس فليتشر بـ"الماضغ العظيم"، وكان خبير التغذية الأمريكي العصامي يعتقد أن الطعام يجب أن يُمضغ "حتى يصبح سائلاً تماماً" و"يبتلع نفسه تقريباً".
وقدر فليتشر أن المضغ القوي كان من الممكن أن يوفر على الاقتصاد الأمريكي في أوائل القرن العشرين أكثر من نصف مليون دولار يومياً، أي ما يعادل نحو 19.5 مليون دولار بقيمة اليوم، لأن الشخص العادي كان سيستهلك نصف رطل (227 غراماً) أقل من الطعام يومياً.
وقد تكون أفكار فليتشر متطرفة إلى حد ما، لكن ماتس ترولسون، أستاذ قسم صحة الأسنان في معهد كارولينسكا في السويد، يقول: "في بعض الجوانب، كان محقاً".
فزيادة المضغ قد توفر مجموعة واسعة من الفوائد الصحية، بدءاً من تحسين الهضم والمساعدة في تقليل استهلاك السعرات الحرارية، وصولاً إلى تخفيف التوتر والقلق وتحسين القدرات الإدراكية عبر تعزيز الذاكرة وزيادة التركيز.
ونظراً لوجود ارتباط بين صحة الأسنان ومرض ألزهايمر والخرف، يرى بعض الخبراء أن تحسين صحة الفم والأسنان قد يساعد حتى في عكس مظاهر الشيخوخة الذهنية.
التاريخ القديم للمضغ مثل معظم الحيوانات، امتلك البشر "أسناناً وفكوكاً منذ ملايين السنين"، وفقاً لعالم الكيمياء الحيوية التطورية والبيئية آدم فان كاسترين من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في مدينة لايبزيغ الألمانية، لكن هذه الأسنان والفكوك مرت بتغيرات عديدة عبر عصور ما قبل التاريخ.
فأوائل أشباه البشر، الذين عاشوا قبل نحو ستة إلى سبعة ملايين سنة، امتلكوا أسناناً شبيهة بأسنان القردة الحالية، وكانت مناسبة بشكل خاص لتناول "الكثير من الفواكه الكبيرة واللحمية" المنتشرة في الغابات التي عاش فيها أسلاف البشر الأوائل، بحسب فان كاسترين.
لكن مع تراجع الغابات وظهور مناطق أكثر انفتاحاً وغابات خفيفة وسهول شبيهة بالسافانا، اضطر أشباه البشر إلى التعامل مع "أطعمة أكثر صعوبة من الناحية الميكانيكية"، مثل البذور والمكسرات والدرنات، كما يقول فان كاسترين، ولذلك تطوروا باتجاه امتلاك أضراس أكبر وفكوك ووجوه أضخم لاستيعاب هذه الأسنان، إلى جانب عضلات أقوى للمضغ.
ويقول ماتس ترولسون: "النظرية تقول إن المضغ يعمل مثل مضخة، إذ يضخ الدم إلى الدماغ".
ومع تطور الأدوات، ومعالجة الطعام، والزراعة، واستخدام النار في الطهي، لم يعد البشر بحاجة إلى جلسات مضغ طويلة كما في السابق، بحسب فان كاسترين، فاليوم يقضي الإنسان نحو 35 دقيقة يومياً في المضغ، مقارنة بـ4.5 ساعات لدى أقرب أقربائنا من القردة، مثل الشمبانزي والبونوبو، و6.6 ساعات لدى الغوريلا وإنسان الغاب.
ورغم هذه التغيرات التطورية، بقي الهدف من المضغ كما هو، حيث يقول فان كاسترين: "نحن الثدييات نمتلك أنظمة مضغ معقدة لأننا نريد استخراج أكبر قدر ممكن من الطاقة من الطعام لتغذية عمليات الأيض المرتبطة بكوننا من ذوات الدم الحار".
خطوة أولى مهمة في أبسط مستوياته، يعمل المضغ على تفتيت الطعام إلى جزيئات صغيرة وترطيبه باللعاب، بحيث يمكن ابتلاعه بسهولة، ويقول أندريس فان دير بيلت، أحد رواد أبحاث فسيولوجيا الفم والمضغ، والذي عمل باحثاً في المركز الطبي الجامعي في أوترخت الهولندية لأكثر من ثلاثة عقود: "إنه المرحلة الأولى من عملية الهضم".
ولا يقتصر تأثير المضغ على زيادة إفراز اللعاب والإنزيمات الهاضمة مثل الأميليز، التي تساعد على تكسير الطعام، بل إنه يحفز أيضاً الأمعاء والبنكرياس على إفراز العصارات التي تساهم في استكمال عملية الهضم.
ويقول ماتس ترولسون: "إذا لم تمضغ الطعام، فلن تكون الأمعاء مستعدة للتعامل معه".
كما أن تفتيت الطعام إلى قطع أصغر يزيد من مساحة سطحه، ما يسمح للعصارات الهاضمة بالتعامل معه بكفاءة أكبر، وفقاً لعالم الأعصاب الفموية الوجهية أبهيشيك كومار، الذي يعمل مع ترولسون في معهد كارولينسكا.
ويُعد ذلك مهماً لصحة الأمعاء، لأن الجزيئات الكبيرة تبقى فترة أطول داخل الجهاز الهضمي، ما يمنح الكائنات الدقيقة وقتاً أطول لتخميرها.
ويقول كومار إن هذا قد يسبب "الشعور بالانتفاخ والامتلاء والإمساك وأعراضاً أخرى".
تحسين الامتصاص والشعور بالشبع يساعد المضغ أيضاً على إطلاق العناصر الغذائية الموجودة في الطعام، ما يمكن الجسم من امتصاصها بشكل أكثر فاعلية، ففي دراسة أُجريت عام 2009، طُلب من 13 شخصاً بالغاً يتمتعون بصحة جيدة مضغ كمية صغيرة من اللوز 10 مرات أو 25 مرة أو 40 مرة.
وعندما جمع الباحثون عينات من براز المشاركين، اكتشفوا أن الأشخاص الذين مضغوا أكثر أخرجوا دهوناً أقل، ما يشير إلى أن امتصاص الطاقة من المكسرات كان أعلى بما يصل إلى الثلث.
(وكان فليتشر، في أوائل القرن العشرين، يعتقد أيضاً أن زيادة المضغ تُنتج برازاً "أفضل جودة"، يكون "جافاً إلى حد كبير" وتفوح منه رائحة "بسكويت ساخن").
كما أن مضغ الطعام 40 مرة جعل المشاركين يشعرون بالشبع لفترة أطول.
وأكدت دراسة أخرى أُجريت عام 2013 هذا الارتباط بالشبع، إذ طُلب من 21 مشاركاً مضغ قطعة بيتزا بحجم قطعة "تشيكن ناغتس" إما 15 مرة أو 40 مرة قبل ابتلاعها.
وأظهرت النتائج أن المجموعة التي مضغت 40 مرة شعرت بانخفاض ملحوظ في الجوع.
كما سجلت لديهم مستويات أعلى من هرموني "سي سي كيه" و"جي آي بي"، وهما هرمونان ينسقان عملية الهضم في الأمعاء، إلى جانب انخفاض مستويات هرمون الجوع المعروف باسم "غريلين".
وتشير دراستان تحليليتان منفصلتان، راجعتا ما يقرب من 50 دراسة، إلى أن زيادة المضغ تعني أيضاً أنك على الأرجح ستتناول كمية أقل من الطعام.
ويعود ذلك إلى أن الجسم يحتاج إلى نحو 20 دقيقة لتعديل إفراز الهرمونات المرتبطة بالجوع وإرسال إشارات إلى الدماغ بالشعور بالشبع، فيما يمنحك المضغ وقتاً إضافياً قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
ولهذا السبب يشجع كثير من اختصاصيي التغذية والأطباء على تناول الطعام ببطء ووعي، بدلاً من التهامه بسرعة، خصوصاً لمن يحاولون إنقاص أوزانهم.
كما أظهرت دراسة شملت 92 طفلاً في البرازيل أن الأطفال المصابين بالسمنة "كانوا يمضغون عدداً أقل من مرات المضغ ويتناولون الطعام بسرعة أكبر" مقارنة بالأطفال ذوي الوزن الطبيعي.
ومن الطرق الجيدة لإبطاء سرعة تناول الطعام اختيار أطعمة تحتاج إلى مضغ أكثر، فالكثير من الدراسات توصي بتناول الأطعمة الصلبة بدلاً من السوائل، مثل البرتقال بدلاً من عصير البرتقال، وكذلك الأطعمة الأكثر كثافة ولزوجة، مثل الشوفان وبذور الكتان، بدلاً من الأرز الأبيض أو المعكرونة.
ويقول أبهيشيك كومار: "يمكن لقوام الطعام أن يؤثر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
