أحد رموز الفصيل النادر من الفنانين الذين أفسدوا علينا أحكامَنا الجاهزة. كيف يكونُ الشرُّ خفيفَ الظل؟! كيف نضحكُ مع الشرير، ونحن نلعنه؟ نتعاطف معه ونحن نخافه؟ يلبس ثوبَ النصاب والمحتال والبلطجى، لكنه يقتنصُ الضحكات من صدورنا، مثلما يقتنصُ المغانم من ضحاياه. قسوته الساخرة كانت تقول: الوجوهُ ليست كما تبدو، ففى أعماق الشرّ دفءٌ ما، لا تدرى من أين جاء. تلك هى المعادلة الصعبة التى صنعت ظاهرة «توفيق الدقن»، الرقم الصعب فى تاريخ الفن المصرى.
سعدتُ بحضور صالون «كلام ف السيما»، الذى يقيمه المخرج «أشرف فايق» فى «سينما الهناجر»، وكان الاحتفاءُ هذا الشهر بأحد رواد مدرسة «تحويل الهامش إلى مركز»، التى يحتلّ فيها ممثلُ الدور الثانى، ثقل ومكانة البطل. فما إن يظهر «الدقن» فى الكادر، ينزاح الضوءُ نحوه تلقائيًّا؛ فيسرق المشهدَ بحضوره المدهش.
الطريفُ أن معظم الشخصيات التى أدّاها كانت: منحرفة، انتهازية، مقامرة، قاسية غليظة، ومع هذا لم نقبض على أنفسنا ناقمين عليه، بل متورّطين معه وجدانيًّا، رغم انحيازنا الفطرى إلى «البطل»، الذى غالبًا ما يكون أحد ضحاياه. كيف صنع «توفيق الدقن» تلك المفارقة العجيبة؟ لأنه لم يؤدِّ الشرَّ كـ «وظيفة درامية»، بل باعتباره جُرحًا ضروريًّا فى ثوب الإنسانية، به تنْصُعُ التناقضاتُ ويتجلّى الصراع الحتمى بين الخير والشر. لكن «الدقن» صنع تلك المعادلة الصفرية بخلطته الخاصة التى ضفّرت الشرَّ بالظرف، والمكرَ بالفكاهة؛ فصار حضوره مُربكًا، محيّرًا؛ حدَّ أن تلومَ نفسَك على خيانتك البطلَ بتورطك فى عشق خصمه ومُعذّبه! تلك عبقرية «توفيق الدقن»؛ أنه لم يقدّم الشرير بوصفه نقيضًا للبطل الطيب، بل بوصفه «مرآته» الأخرى. فالإنسانُ ليس كاملَ الإشراق، ولا كاملَ الإعتام. لهذا مزج الشرّ بالطرافة، والقبحَ بالإنسانية، فنخرج من الفيلم ونحن أقلَّ يقينًا وأوسعَ حكمة.
عباراته الشهيرة، التى حفرت لنفسها مكانًا فى معاجمنا اليومية، لم تكن «إيفيهات» مرحة، بل كانت فلسفةَ نجاة. «أحلى من الشرف مفيش!» قالها بسخرية لاذعة جعلتها تعيش أطول من الفيلم الذى قيلت فيه وتتحول إلى لازمة شعبية نرددها حتى اليوم. «يا آه يا آه!» بتلك الآهة الممطوطة التى نصفها ضحك ونصفها وجع. «يا سلام سلّم!» العبارة الجوكر التى تُقال فى مواقف شتى من السخرية إلى المديح. «ألو يا أمم»، التى تندهشُ من أين نسجها وكأن زعيم زعماء العالم يفتتح خطابًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
