مأمون فندي يكتب: «كُتابُه أكثرُ من قرائه». عبارةٌ كانت تتردَّد في مصرَ قبل أكثرَ من ربعِ قرنٍ عن رئيسِ تحريرِ صحيفةٍ كبرى. لم تكنِ العبارةُ مجردَ سخريةٍ صحافية، بل كانت وصفاً دقيقاً لحقبةٍ كاملة، حقبةِ الغشِ المعلن، حين كانتِ المقالةُ اليوميةُ تُنتَج داخلَ غرفٍ مغلقة كما تُنتَج البضائعُ في المصانع.. لقراءة المقال أو الاستماع إليه

«كُتابُه أكثرُ من قرائه». عبارةٌ كانت تتردَّد في مصرَ قبل أكثرَ من ربعِ قرنٍ عن رئيسِ تحريرِ صحيفةٍ كبرى. لم تكنِ العبارةُ مجردَ سخريةٍ صحافية، بل كانت وصفاً دقيقاً لحقبةٍ كاملة، حقبةِ الغشِ المعلن، حين كانتِ المقالةُ اليوميةُ تُنتَج داخلَ غرفٍ مغلقة كما تُنتَج البضائعُ في المصانع.

يضع الرجلُ الكبيرُ اسمَه في الأعلى، ثم يتولَّى جيشٌ صغيرٌ من المحررينَ والباحثين والمفكرين كتابةَ النُّصوص وصقلَها وإعادةَ تركيبِها قبل أن تخرجَ للناس وكأنَّها صوتُ رجلٍ واحد. وقد كَتبتُ منذ سنواتٍ مقالاً بعنوان «وأمهرَها بتوقيعه» عن السّرقات الفكرية. وضربتُ لذلك أمثلةً كثيرة. من ذلكَ «الكاتب الشبحي» (غوست رايتر). الكاتب العفريت. اليد التي تكتب ولا تُرى.

وفي صعيد مصرَ، حيث تحتفظ الكلماتُ بجذورها الأولى، يُسمونَ الشيءَ الغامضَ «الصن»؛ ذلك الكائنَ الذي تشعر بوجودِه من أثره لا من صورته. لا تراه، لكنَّك تعرف أنَّه مرّ من هنا.

ولو عاد المصري القديم إلى الحياة لما اندهش من هذه الفكرة. فمصر القديمة لم تبن حضارتها بالسيف فقط، بل بالقلم. كان الكاتب في مصر القديمة كائناً شبه مقدس، يجلس ممسكاً بالبردية كما في تمثال «الكاتب الجالس» بعينين مفتوحتين على الأبد. لم يكن الفرعون يحكم وحده، بل كانت خلفه طبقة كاملة من الكتبة تسجل الضرائب والحروب والأحلام واللعنات والصلوات.

الفرعون يظهر على جدران المعابد بحجم الآلهة، لكن الكاتب المختفي في الظل هو الذي منح الفرعون خلوده. فمن دون البردية والنقش المقدس لا يبقى الفرعون سوى عظام في قبر، ربما مطلية بالذهب، تنتظر أن يكتشفها هوارد كارتر، أو هكذا قيل لنا، بينما الحقيقة أن خلف القصة أشباحاً أخرى من أهل قرى القرنة وبيت عبد الرسول الذين عرفوا أسرار المقابر قبل علماء الآثار أنفسهم.

المصري القديم فهم مبكراً أن السلطة الحقيقية ليست لمن يتكلم، بل لمن يكتب. ولهذا لم يكن الكاتب مجرد ناسخ، بل ساحراً لغوياً. كان يعرف أن الجملة المكتوبة قد تعيش أكثر من جيش كامل، وأن محو الاسم من الحجر هو قتل ثانٍ لصاحبه.

ومنذ ذلك الزمن عاش العالم مع الأشباح الكاتبة. الرئيس يتكلم، لكن آخر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الشرق الأوسط

منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
بي بي سي عربي منذ 10 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 20 ساعة
بي بي سي عربي منذ ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 18 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 5 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 14 ساعة