لقد أسس دستور2011 لتحول نوعي في مفهوم السلطة والشرعية بالمغرب، حين ربط ممارسة السلط بمبادئ دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وكرس سمو الاتفاقيات الدولية في نطاق ثوابت المملكة، وأقر منظومة واسعة للحقوق والحريات، مستحضرا التراكم الحقوقي والسياسي الذي راكمته البلاد، خاصة مع تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وما شكلته من لحظة تأسيسية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومن ثم، فإن الأغلبية الديمقراطية، مهما بلغت قوتها العددية، لا يمكن أن تتحول إلى سلطة مطلقة في التشريع أو التأويل أو تدبير الشأن العام. لأن منطق الدولة الدستورية يفترض أن تكون الأغلبية نفسها خاضعة لمرجعية أسمى، هي المرجعية الوطنية بمفهومها الواسع: أي حماية توازن المجتمع، وصيانة الأمن القانوني، والحفاظ على المكتسبات الحقوقية، وضمان استمرارية الدولة وهيبتها وثقة المواطنين فيها.
وهنا تبرز إحدى أخطر الإشكالات التي تواجه الممارسة العمومية اليوم: الخلط بين "الشرعية العددية" و"المشروعية الدستورية". فليس كل ما يمكن تمريره عدديا داخل البرلمان يكون بالضرورة منسجما مع روح الدستور أو مع فلسفة الانتقال الديمقراطي. إذ قد يؤطر القانون أو القرار العمومي بخطاب معياري ديمقراطي وحقوقي، بينما يكشف مضمونه العملي عن اتجاه مغاير تماما. ولذلك ظل الفقه الدستوري حريصا على التمييز بين الشكل والمضمون، وبين ظاهر النص وحقيقته، وهو ما تختصره القاعدة الفقهية العميقة: "العبرة بالموضوع لا بالعنوان".
ولعل هذا النقاش يبرز اليوم بوضوح في عدد من النصوص والمبادرات التشريعية التي أثارت جدلا مجتمعيا وحقوقيا واسعا، سواء تعلق الأمر بقانون الإضراب، أو تعديلات المسطرة المدنية، أو المسطرة الجنائية، أو بعض المقتضيات المرتبطة بقانون الصحافة، المحكمة الدستورية، مجلس النواب، أو المحاماة، أو العدول، وغيرها من النصوص التي طرحت تساؤلات حقيقية حول مدى انسجامها مع فلسفة دستور2011 ومع التراكم الحقوقي والمؤسساتي الذي راكمه المغرب.
إن الإشكال هنا لا يتعلق برفض التغيير أو معاداة الإصلاح. وانما على العكس تماما، فالدولة التي لا تتغير ولا تكسر الطابوهات الجامدة تتحول إلى بنية مغلقة غير قادرة على التطور. غير أن الإصلاح داخل الدولة الدستورية لا يقاس فقط بجرأة التعديل، بل أيضا بمدى احترامه للمرجعيات الوطنية الجامعة، ولروح الدستور، وللتوازنات الدقيقة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ان التشريع ليس مجرد عملية تقنية لإنتاج النصوص، بل هو فعل سيادي يمس البنية العميقة للمجتمع، ويؤثر على علاقة المواطن بالدولة، وعلى درجة إحساسه بالحماية والإنصاف والاحتضان المؤسساتي. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يقع داخل أي دولة ليس فقط ظهور الاحتجاج أو الخلاف السياسي، ولكن في اتساع المسافة النفسية والرمزية بين المواطن ومؤسسات الدولة، حين يشعر بأن القرار العمومي لم يعد يعبر عن انشغالاته أو عن الإحساس الجماعي بالعدالة والتوازن.
ولعل التجربة المغربية نفسها قدمت نموذجا مختلفا في هذا المجال، خاصة في تدبير الأزمات الكبرى. فمن خلال جائحة كوفيد-19، وزلزال الحوز، والفيضانات، وغيرها من اللحظات الصعبة، برز ما يمكن وصفه بـ"فقه الدولة المغربية في إدارة الأزمات"، حيث ظهر حضور الدولة كحاضنة للمجتمع، لا كجهاز إداري فقط. وهو ما عزز الثقة والالتفاف الجماعي حول المؤسسات، لأن المواطن شعر آنذاك بأن الدولة تمارس وظيفتها الدستورية في الحماية والتضامن والتوازن.
ومن هنا، فإن أي تشريع أو قرار عمومي لا يستحضر هذا البعد الوطني الجامع، ويختزل فقط في منطق الأغلبية العددية أو القراءة التقنية الضيقة، قد يؤدي تدريجيا إلى إضعاف هذا الرصيد الرمزي الذي راكمته الدولة المغربية عبر عقود من الإصلاحات والتوازنات الدقيقة.
إن الدولة الدستورية لا تقاس فقط بوجود المؤسسات أو القوانين، بل بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين السلطة والمجتمع، وبين الشرعية القانونية والقبول المجتمعي، وبين قوة القرار وعمق الإحساس الجماعي بعدالته.
حين يتكلم الدستور، فإنه لا يمنح الأغلبية شيكا على بياض، بل يحملها مسؤولية تاريخية في حماية المرجعية الوطنية للدولة. فالأغلبية الحقيقية ليست هي التي تنتصر عدديا داخل البرلمان فقط، وانما التي تستطيع أن تجعل من القانون تعبيرا عن المصلحة العامة، لا عن موازين القوة الظرفية.
إن أخطر ما قد يصيب الدولة ليس المعارضة أو الاختلاف، بل اهتزاز الثقة الصامتة التي تربط المواطن بمؤسساته. لذلك، فإن الحفاظ على روح دستور2011، وعلى التراكم الحقوقي والوطني الذي بنته البلاد، يقتضي أن يظل التشريع والقرار العمومي مؤطرين بمنطق الدولة وبمرجعية الوطن لا بميزان الأغلبية المتجاوزة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
