ماجد المرهون
الموتُ هو الحقيقة الجبَّارة التي تواجه ضآلة الإنسان في حياة البهرجة، واللحظة الوجودية الكُبرى التي تتهاوى أمامها غوائل الزخرفةِ، وبما أن مظهر العزاء يعكس نموذجًا جادًا للضعف في تطهير الروح بالقيمة العليا للحزن، فإن المساحة المُشتركة بين الجماعات الإنسانية مُنذ وجِدت قد قننت احتواء المُنكسرين تحت وطأة الفقد، ولعل تأثير الحالة يصبح أكثر مصداقًا في عالم النساءِ تحديدًا، إذ يضفي سُرادق الحزن مساحةً عاطفية بامتياز فتُذرف فيها شجون الفناء لتتجلَّى قُدسية العزاء، وتُستحضر هيبة العدم في جبر كسر الأحياء ضد جبرية الألم.
أعلمُ أن من قرأ السطور السابقة ينتظر استدراك الحرف الناسخ "لكن" من أخوات إنَّ؛ حسنًا ولكنْ طرأ نوع من التحول البُنيوي على العادات مع بقاء ثابت الحزن ظاهرًا، حيث تجردت بعض مجالس عزاء النساء في الكثير من المجتمعات -ومجتمعنا ليس استثناءً- من جوهرها اللامادي لتتحول من مقامِ اعتبارٍ واتعاظ إلى مسرح تظاهرٍ واستعراض، ومن عمق حزنٍ في دمعة صامتة إلى سطحية صارخةٍ للولائم الفاخرة، وكأن أيام العزاء أيام أكل وشُرب يناظرهما التباهي والتنافُس ولم يبقَ شيء للعيد، في إشارةٍ لتفكُّك مفهوم المُصيبة وتحولها إلى حدثٍ اجتماعي يحكُمه قانون استهلاك السوق.
يتَّسِم الإنسان المُعاصر بالسيولة الثقافية في التقلب السريع للتعامل مع الأحداث فيُرعبهُ مشهد الفراغ ويهرب من شعور العدم، لذلك تنشأ قراءة فلسفية في تحول الحالة النفسية الشاعرة بالتيه من فراغ النقص إلى ملئِهِ بالمادة، ويبدو هذا جليًا في تحويل مجلس العزاء الى مِنصة فخامةٍ للأغذية والمشروبات وتفنُّنٍ في الكماليات والتصاميم والملبوسات والعباءات، وظهور الوجوه القديمةِ بالطلات الجديدةِ بعد عمليات التجميل، وما كُل ذلك إلا آليةٍ دفاعيةٍ غير واعية للهروب من حتمية الموت الواقعية، وهذه مُحاولات بائسة لإنكار الفناء عبر إثبات الحضور المادي الصاخب.
عندما تنشغلُ النساء بمصفوفات المأكولات ومصنَّفات القهوةِ والشاي والتمور النفيسةِ والمحشوة بالمكسرات والمُعجنات الشرقية والغربية وتناسق الألوان المُطابقة زيفًا لأجواء الحزن ونوعية المكياج المُتَّسق مع المشاعر، فإن الذهن ينصرف تلقائيًا عن التفكير في ذلك الجسد المُسجَّى تحت الثرى إلى الأجساد المُترفة فوق مقاعد مجالس العزاء، وبهذا نهزم الموت هزيمةٍ مؤقتة حين تتبدل فحوى اللقاء من ذكرى اتعاظٍ وتذكِرةٍ للآخرة إلى استغراقٍ باهت في تفاصيل الدنيا، ومن البديهي أن تغادر عفوية التخفُّف مجتمع الاستعراض المُتكلف.
لقد تحولت بعض مجالس العزاء النسائية من مساحةِ عبرةٍ ومواساة إلى قاعة للمُعاينةِ والانتقاد، وتسلّلت تنميقات الحزن المُستحدثة تدريجيًا لتفرض نفوذها على المشهد، ولم تعد الهيئة والملامح تحملان التعبير الحقيقي لانطفاء نور الحياة بقدر ما باتت موضةٍ تشتعل فيها أضواء دور الأزياء والعلامات التجارية ويُغرم في سبيلها مبالغ طائلةٍ ليبدو المشهد العام في أبهى صورةٍ للانكسار الأنيق، ومن هنا تأسست صناعةٍ مظهرية جديدة وأخرى تواكب تحديثًا مُتكلفًا في الضيافة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
