صحيح أنني أكتب غالباً في القضايا الاجتماعية والنفسية والإنسانية، لكنني في الأصل أنحدر من تخصص طبي، ودرست أيضاً دبلوماً في التغذية، وقرأت عشرات الكتب والأبحاث المرتبطة بالغذاء والصحة ونمط الحياة، ولذلك أعتقد أنني أستطيع أن أتكلم في هذا الموضوع ليس فقط كرأي نظري أو علمي، بل أيضاً كتجربة طويلة وملاحظة حقيقية لما يفعله الطعام داخل الجسد والحياة والإنسان. وربما ما دفعني أكثر للكتابة هنا ليس الجانب الصحي وحده، بل ما تحوّل إليه موضوع الغذاء نفسه من ظاهرة اجتماعية ونفسية وثقافية تكاد تتجاوز حدود المنطقة العربية، خصوصاً بعد الحالة التي صاحبت العوضي وما أحدثته من انقسام واسع وتبادل حاد لوجهات النظر بين الناس، بين من رأى في "الطيبات عودة للطبيعة والبساطة والطعام الحقيقي، وبين من رأى فيها مبالغات أو تصورات غير دقيقة أو رد فعل على عالم غذائي وصناعي متضخم. ما لفت انتباهي فعلاً أن الناس لم تكن تتناقش فقط حول الطعام، بل حول الثقة والخوف والهوية والعلاقة مع الجسد وحتى معنى الحياة الحديثة نفسها. وكأن قضية الغذاء لم تعد مجرد سعرات حرارية أو بروتينات وكربوهيدرات، بل أصبحت انعكاساً لحالة إنسانية كاملة يعيشها العالم اليوم. في السنوات الأخيرة أشعر أن الناس لم يعودوا يبحثون فقط عن الطعام، بل عن الطمأنينة. عن شيء يشعرهم أنهم عادوا إلى الحياة الطبيعية بعد سنوات طويلة من الضياع الغذائي والحميات المتصارعة والخوف من كل شيء. مرة يقولون الدهون هي العدو، ثم تأتي موجة تعتبر الكربوهيدرات أصل الأمراض، ثم تظهر أنظمة تُقصي السكر بالكامل، وأخرى تُقصي اللحوم، وثالثة تُقصي الحبوب، حتى أصبح الإنسان أحياناً يأكل وهو خائف أكثر مما يأكل وهو مطمئن. لكن الحقيقة التي أشعر أن العالم يعود إليها ببطء هي أن الجسد البشري لم يُخلق للتطرف بل للتوازن. ولو تأملنا الأنظمة الغذائية الكبرى في العالم سنجد أن كل حضارة تقريباً حاولت بطريقتها أن تبني حالة انسجام بين الإنسان وغذائه. النظام المتوسطي قام على الزيتون والحبوب والأسماك والخضار، والنظام الياباني بنى فلسفته على الاعتدال والبساطة وإيقاع الحياة الهادئ، بينما حاول الهرم الغذائي الأمريكي القديم أن يجمع كل المجموعات الغذائية داخل صورة واحدة واضحة: حبوب، خضار، فواكه، ألبان، لحوم، دهون وحتى سكريات ولكن بحدود محسوبة. ورغم اختلاف الثقافات كانت هناك فكرة عميقة مشتركة: لا شيء يجب أن يتحول إلى شيطان مطلق ولا شيء يجب أن يتحول إلى مقدس مطلق. حتى الأنظمة الحديثة مثل الكيتو أو النباتية الصارمة أو غيرها حملت داخلها نقاط قوة حقيقية، لكنها وقعت أحياناً في مشكلة الإقصاء. بعضها نجح مع أشخاص معينين أو ظروف صحية محددة أو لفترات مؤقتة، لكنه لم يستطع دائماً أن يتحول إلى صيغة إنسانية مستقرة تصلح للجميع ولعشرات السنين دون آثار جانبية نفسية أو اجتماعية أو غذائية. المشكلة ليست في الدهون ولا في الكربوهيدرات ولا في اللحوم ولا في النبات، المشكلة حين يتحول الطعام إلى خوف دائم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
