الأنبا أنطونيوس عزيز يكتب: المساواة بين الجميع.. لماذا يخشى المجتمع من «الزواج المدنى»؟

- البعض يرفض حتى طرحه للنقاش ويعتبره «دعوة لإلغاء الدين»

- صورته لدى كثيرين أنه «ضد الشريعة» و«بديل للزواج الدينى»

- رؤيتى تقوم على وجود عقدين متوازيين ومنفصلين: «دينى» و«مدنى»

- لا يهدد الأسرة ويُمكِّن الدولة من حماية الطرف الأضعف فى الزواج

- يعزز فكرة المواطنة.. ولا يلغى الخصوصيات الدينية أو العقائدية

- يجعل الحقوق المدنية الأساسية لا تختلف باختلاف الانتماء الدينى

- يقلل من اللجوء للسفر للخارج أو التحايل القانونى لإتمام الزواج

يثير الحديث عن الزواج المدنى قدرًا كبيرًا من الحساسية والجدل فى مجتمعاتنا العربية، إلى درجة أن مجرد طرحه للنقاش يُقابل أحيانًا بالرفض المسبق أو بالتخوف من أن يكون دعوة إلى إلغاء الدين أو تقويض مؤسسة الأسرة. ويستغرب البعض حديثى بإيجابية عن الزواج المدنى، وربما يرجع ذلك إلى أن صورة الزواج المدنى فى أذهان كثيرين ارتبطت بالصدام مع الإيمان أو الشريعة أو باعتباره بديلًا للزواج الدينى، بينما الحقيقة أن الزواج المدنى- فى التصور الذى أدافع عنه- ليس إلغاءً للزواج الدينى ولا حربًا عليه، بل هو إطار قانونى موازٍ له، ينظم العلاقة الزوجية من الناحية المدنية داخل الدولة الحديثة، مع بقاء الزواج الدينى قائمًا بوصفه ممارسة عقائدية وروحية تحترمها الدولة وتحمى حرية ممارستها.

وهنا يلزم توضيح مهم لتفادى سوء الفهم: عندما أستخدم مصطلح «الزواج المدنى»، فإن المقصود ليس إلغاء الزواج الدينى أو استبداله، بل وجود عقدين متوازيين ومنفصلين فى الوظيفة: عقد دينى يتم وفق العقيدة والطقوس الدينية، وعقد مدنى تُرتب الدولة عليه وحده الآثار القانونية. ومن المنظور الذى أتبناه، فإن اجتماع هذين العقدين فى العلاقة الزوجية الواحدة ليس مجرد احتمال تنظيمى، بل هو الخيار الأجدر بالاستحسان، لما يحققه من انسجام بين البعد الروحى للزواج فى ضمير المؤمن، وبين البعد القانونى الذى يصون الحقوق، وينظم الالتزامات أمام الدولة والقضاء. فالدينى يظل معبرًا عن المعنى الإيمانى والروحى، والمدنى يتكفل بتنظيم الحقوق والواجبات فى الإطار القانونى، بما يضمن وضوح العلاقة واستقرارها دون إقصاء لأى من البعدين أو تعارض بينهما.

إن المشكلة الحقيقية التى تواجه مجتمعاتنا ليست فى وجود الدين، بل فى كيفية إدارة التعدد الدينى والطائفى داخل الدولة الواحدة. فعندما تكون قوانين الأحوال الشخصية مرتبطة بالكامل بالمرجعيات الدينية المتعددة، يصبح المواطنون خاضعين لأنظمة قانونية مختلفة حسب انتمائهم الدينى أو الطائفى، وهو ما يؤدى أحيانًا إلى تفاوت فى الحقوق والواجبات، ويخلق شعورًا بغياب المساواة القانونية بين أبناء الوطن الواحد.

من هنا تظهر أهمية الزواج المدنى باعتباره محاولة لإيجاد إطار قانونى مشترك ينظم الحقوق المدنية لجميع المواطنين، دون أن يمنع أى طائفة أو جماعة دينية من الاحتفاظ بمعتقداتها وشعائرها الخاصة المتعلقة بالزواج والأسرة.

وبهذا المعنى، لا يأتى الزواج المدنى فى مواجهة الزواج الدينى، بل يوازيه ضمن مسارين متكاملين: مسار دينى تعبدى يعبر عن الإيمان والانتماء الروحى، ومسار مدنى قانونى تتولى الدولة من خلاله ضبط الحقوق والآثار القانونية للعلاقة الزوجية.

وهذا التمييز ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو جزء من فهم طبيعة الدولة الحديثة، التى لا تقوم بوصفها مؤسسة دينية، وإنما بوصفها إطارًا جامعًا لمواطنين مختلفين فى العقائد والانتماءات. وتتمثل وظيفتها الأساسية فى تنظيم العلاقات المدنية بما يحقق العدالة والاستقرار ويحفظ الحقوق.

وإذا كانت الدولة تنظم بعقود مدنية موحدة علاقات البيع والشراء والعمل والإيجار والتجارة، فلا غرابة أن تنظم أيضًا عقد الزواج بوصفه من أخطر العقود الاجتماعية وأكثرها تأثيرًا فى حياة الأفراد والمجتمع.

من أكثر الاتهامات شيوعًا ضد الزواج المدنى أنه يهدد الأسرة أو يُضعف مكانة الزواج، بينما الواقع قد يكون عكس ذلك تمامًا. فالزواج المدنى، إذا صيغ بصورة متوازنة وعادلة، يمكن أن يكون وسيلة لحماية الأسرة والحد من كثير من المشكلات الاجتماعية والقانونية التى نعانى منها اليوم.

فكم من امرأة ضاعت حقوقها بسبب زواج غير موثق؟ وكم من طفل عانى من صعوبات إثبات النسب أو النفقة أو الميراث؟ وكم من نزاعات طويلة نشأت بسبب غياب وثيقة قانونية واضحة تنظم العلاقة بين الزوجين؟

لقد كشفت ظاهرة الزواج العرفى أو غير الموثق- لدى بعض المسلمين والمسيحيين على السواء- عن حجم الفوضى التى قد تنتج عندما تُترك العلاقات الأسرية دون إطار قانونى واضح. فكثير من الناس يلجأون إلى حلول ملتوية هربًا من تعقيدات دينية أو قانونية أو اجتماعية، ثم تكون النتيجة فى النهاية ضياع الحقوق وتفكك الأسر.

أما الزواج المدنى، فيقوم على التوثيق الإلزامى الواضح، وهو ما يحفظ الحقوق ويمنع التلاعب، ويجعل الدولة قادرة على حماية الطرف الأضعف فى العلاقة الزوجية، سواء كان المرأة أو الأطفال.

ومن أهم مزايا الزواج المدنى أنه يعزز فكرة المواطنة. فوجود تشريع مدنى موحد للأحوال الشخصية يجعل المواطنين متساوين أمام القانون بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو الخلفية الاجتماعية.

وهذا لا يعنى إلغاء الخصوصيات الدينية أو العقائدية، بل يعنى أن الحقوق المدنية الأساسية لا ينبغى أن تختلف باختلاف الانتماء الدينى. فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن دينه عندما تمنحه حق التعليم أو العلاج أو العمل، فلماذا تصبح الأحوال الشخصية وحدها مجالًا للتفاوت القانونى؟

إن وجود قانون مدنى موحد يساعد أيضًا على تقليل النزاعات الطائفية، ويحد من تضارب الأحكام القضائية الناتج عن تعدد المرجعيات.

كما أنه يضع الضوابط للزواج بين أصحاب الديانات والطوائف المختلفة ضمن إطار قانونى واضح ومعترف به، ويقلل من لجوء بعض الناس إلى السفر للخارج أو التحايل القانونى لإتمام زواجهم.

السلطة التشريعية فى أى دولة حديثة تنطلق من الشعب عبر ممثليه المنتخبين. لذلك فإن تطوير قوانين الأسرة لا ينبغى أن يكون قرارًا فوقيًا معزولًا عن المجتمع، بل نتيجة حوار مجتمعى واسع يقوم على الوعى والمعرفة.

فالتشريع السليم يمر بمراحل واضحة: التثقيف، ثم النقاش، ثم طرح الاقتراحات، ثم التصويت الديمقراطى. ولا يمكن للناس أن يختاروا القانون الذى يريدون أن يحكمهم ما لم تتوافر لهم معرفة حقيقية بآثاره ونتائجه.

من هنا فإن من واجب النخب الفكرية والدينية والقانونية أن تقدم نقاشًا هادئًا وعقلانيًا حول الزواج المدنى، بعيدًا عن التخويف أو التخوين أو اختزال القضية فى صراع بين الدين والحداثة.

انطلاقًا من موقعى كمسيحى يعيش داخل هذا السياق القانونى والاجتماعى المشترك، فإن مشاركتى فى هذا النقاش لا تقوم على التدخل فى المسائل العقدية الإسلامية، بل على الاهتمام المشترك بالقضايا المدنية التى تمس جميع المواطنين دون استثناء. ولعل البعض يتساءل: لماذا يتحدث مسيحى أصلًا فى مسائل تتعلق.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعتين
صحيفة المصري اليوم منذ 20 ساعة
موقع صدى البلد منذ 10 ساعات
مصراوي منذ 15 ساعة
موقع صدى البلد منذ 8 ساعات